ثلاثون عاماً على الغياب… مصطفى سيد أحمد، حين يصبح صوت الإنسان ذاكرة وطن

منوعات: عين الحقيقة

ثلاثون عاماً مرّت على رحيل الفنان السوداني مصطفى سيد أحمد، لكن صوته ما زال يتردّد في وجدان السودانيين كأنه لم يغادر. ففي السابع عشر من يناير عام 1996م، فقد السودان واحداً من أكثر أصواته صدقاً وعمقاً، تاركاً وراءه إرثاً فنياً يمتد جسراً بين الأجيال، وفراغاً لا يُملأ في مشهد الغناء السوداني.

وُلد مصطفى سيد أحمد المقبول مختار عمر الأمين عام 1953م في قرية ود سلفاب بريف الحصاحيصا في ولاية الجزيرة، حيث شكّلت البيئة الريفية البسيطة، والقرب من معاناة الناس العاديين، وجدانه الفني منذ نعومة أظفاره. عمل معلماً في المدارس الابتدائية قبل أن يلتحق بكلية الموسيقى والدراما في الخرطوم، حيث صقل موهبته الفطرية بالدراسة الأكاديمية والتدريب الاحترافي على العود والآلات الموسيقية الأخرى.

برز مصطفى في نهاية السبعينيات عبر مهرجان الثقافة، ولفت الأنظار بصوته التينور الدافئ الذي يحمل نبرة إنسانية صادقة تخترق القلوب. لكن ما ميّزه حقاً لم يكن جمال الصوت وحده، بل اختياره الواعي لنصوص شعرية عميقة تلامس قضايا الإنسان السوداني: الفقر، والاغتراب، والظلم، والحلم، والحب النبيل. تعاون مصطفى مع كبار الشعراء السودانيين أمثال محجوب شريف، وأزهري محمد علي، ومحمد الحسن سالم حميد، والقدّال، وآخرين، ليقدّم أغنيات جمعت بين عمق الكلمة وصدق الأداء وجمال اللحن، مكوِّناً مدرسة فنية قائمة بذاتها تختلف عمّا سبقها.

شهدت ثمانينيات القرن الماضي صعود نجم مصطفى سيد أحمد بقوة، حيث أصبح من أبرز الأصوات في الساحة الفنية السودانية. وقدّم خلال هذه الفترة أعمالاً خالدة لا تزال تُتداول حتى اليوم، منها: «السحاب»، و«الشجن الأليم»، و«المسافة»، و«الطير الخداري»، و«عم عبد الرحيم»، و«الحزن النبيل». غنّى للبسطاء والمهمشين، وقدّم فناً راقياً التزم بقضايا الناس دون مجاملة أو تنازل، مما جعله محبوباً لدى شرائح واسعة من المجتمع، خاصة المثقفين والطلاب والناس العاديين. هذا الالتزام الإنساني وضعه أحياناً في مواجهة غير مباشرة مع السلطة، شأنه شأن رموز الوعي السوداني الآخرين، مثل الفنان محمد وردي والأديب الطيب صالح.

في تسعينيات القرن الماضي، واجه مصطفى محنة صحية قاسية تمثلت في إصابته بالفشل الكلوي، مما اضطره للسفر للعلاج في روسيا ثم قطر. ورغم قسوة المرض وألم الاغتراب، واصل الغناء والتلحين، وقدّم أعمالاً خالدة تُعد من أجمل ما في المكتبة الموسيقية السودانية، حتى وافته المنية في قطر عام 1996م.

ترك مصطفى سيد أحمد وراءه أكثر من مئة أغنية مسجّلة، ومدرسة فنية مؤثرة ألهمت أجيالاً من الفنانين. جمهوره الواسع، الذي ضم المثقفين والطلاب والناس البسطاء، لا يزال يحتفي بفنه ويتناقله عبر الأجيال. وما ميّز مصطفى عن معاصريه أنه لم يكن مجرد مغنٍّ، بل كان مشروع وعي. غنّى للإنسان، وللكرامة، وللبساطة، وللحلم. صوته كان يحمل صدقاً جعل المستمع يشعر أنه يغنّي له شخصياً، وكلماته كانت تعيد تعريف الأغنية السودانية الحديثة.

في الذكرى الثلاثين لرحيله، يتذكّر السودانيون فنانهم الراحل بكثير من الحب والتقدير.

صوته ما زال يُتداول في البيوت والجامعات والمقاهي، وفي كل مكان يبحث فيه الناس عن الفن الصادق. جمهوره يزداد مع الزمن بدلاً من أن ينقص، وكثير من الفنانين يعتبرونه مرجعاً ومدرسة يُقتدى بها. مصطفى سيد أحمد ليس مجرد فنان راحل، بل هو ذاكرة وطن، وصوت إنساني خالد سيظل يتردّد في وجدان السودانيين ما دام في القلوب نبض، وما دام في الروح شوق للفن الأصيل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.