صدمة عالمية: واشنطن تفك ارتباطها بمنظمة الصحة العالمية وتفتح باب المجهول الصحي

تقرير: عين الحقيقة

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، يوم الخميس، اكتمال انسحابها الرسمي من منظمة الصحة العالمية، منهيةً بذلك عضوية امتدت لنحو 78 عامًا منذ انضمامها كعضو مؤسس عام 1948، في خطوة وُصفت بأنها من أخطر التحولات في مسار التعاون الصحي الدولي الحديث.

ويأتي الانسحاب تنفيذًا لقرار وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مستهل ولايته الرئاسية الثانية، وسط انقسام سياسي داخلي وتحذيرات متزايدة من خبراء ومؤسسات صحية من تداعيات القرار على الاستجابة العالمية للأوبئة والأزمات الصحية العابرة للحدود.

بيان رسمي: شراكات ثنائية بدل الإطار الأممي

وجرى الإعلان عبر بيان مشترك صادر عن وزير الصحة الأمريكي روبرت إف. كينيدي جونيور ووزير الخارجية ماركو روبيو، وجّه انتقادات مباشرة لأداء المنظمة، معتبرًا أنها «فشلت في إدارة جائحة كوفيد-19»، و«أخفقت في الحفاظ على استقلالها عن الضغوط السياسية».

وأكد البيان أن واشنطن لا تعتزم المشاركة في أنشطة المنظمة حتى بصفة مراقب، معلنًا توجه الإدارة الأمريكية إلى تعزيز التعاون الصحي عبر اتفاقات ثنائية مباشرة مع الدول، لتبادل البيانات ومراقبة الأمراض بعيدًا عن الإطار متعدد الأطراف الذي تقوده المنظمة من مقرها في جنيف.

وبالتزامن مع القرار، أفادت تقارير بسحب العلم الأمريكي من أمام مقر المنظمة، إلى جانب استدعاء جميع الخبراء والموظفين الأمريكيين العاملين ضمن هياكلها الإقليمية حول العالم.

فجوة مالية غير مسبوقة

ويضع الانسحاب المنظمة أمام تحديات مالية حادة، إذ كانت الولايات المتحدة تسهم بنحو 18% من ميزانيتها السنوية، تشمل مساهمات إلزامية تُقدّر بـ111 مليون دولار، إضافة إلى نحو 570 مليون دولار تبرعات طوعية.

وتتمحور الخلافات الحالية حول:

موقف المنظمة: تؤكد أن واشنطن مدينة بأكثر من 130 مليون دولار كمتأخرات عن عامي 2024 و2025.

الموقف الأمريكي: تشدد الإدارة على عدم وجود التزام قانوني بالسداد بعد قرار الانسحاب.

الإطار القانوني: تنص اتفاقية الانضمام لعام 1948 على تسوية الالتزامات المالية قبل الانسحاب، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية دولية محتملة.

وبدأت آثار الأزمة بالظهور فعليًا، مع تقليص المنظمة لنحو نصف طاقمها الإداري، وسط توقعات بتسريح ربع موظفيها عالميًا، الأمر الذي يهدد استمرارية برامج أساسية مثل مكافحة الملاريا واستئصال شلل الأطفال.

تحذيرات من تداعيات صحية وأمنية

قوبل القرار بانتقادات واسعة في الأوساط الأكاديمية والطبية. ووصف خبير قانون الصحة بجامعة جامعة جورجتاون، لورانس جوستن، الانسحاب بأنه «ضربة قاسية للنظام الصحي العالمي»، محذرًا من فقدان الولايات المتحدة الوصول المبكر إلى بيانات الأمراض وسلالات الفيروسات.

من جهته، أعرب المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس عن «أسف بالغ»، مؤكدًا أن القرار «لا يجعل العالم أو الولايات المتحدة أكثر أمانًا، بل يزيد من هشاشة النظام الصحي الدولي».

كما حذر باحثون في جامعة جونز هوبكنز من ما وصفوه بـ«نزيف بطيء»، يتمثل في فقدان واشنطن مقاعدها في لجان علمية رئيسية، بما في ذلك تلك المعنية بتحديد سلالات الإنفلونزا، ما قد ينعكس سلبًا على توقيت إنتاج اللقاحات الموسمية داخل الولايات المتحدة.

إعادة رسم النفوذ الصحي العالمي

ويرى محللون أن انسحاب واشنطن قد يخلق فراغًا داخل المنظمة، يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى، مثل الصين والهند ودول ذات ثقل مالي متزايد، لتعزيز نفوذها والمشاركة في صياغة أولويات الصحة العالمية.

ومن المنتظر أن يناقش المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، في اجتماعه مطلع فبراير المقبل، الآليات القانونية والمؤسسية للتعامل مع هذه السابقة، في وقت يراقب فيه المجتمع الدولي عن كثب تداعيات القرار على منظومة الأمن الصحي العالمي في عالم تتزايد فيه الترابطات والمخاطر الوبائية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.