إعادة تدوير الإسلاميين في السودان: هل السلام هدف «بروميديشن» أم تمكينٌ مقنّع؟
عمود: عين الحقيقة
منذ اللحظات الأولى لتسرّب أنباء عن لقاءات عقدتها منظمة «بروميديشن» في ماليزيا مع شخصيات محسوبة على بقايا النظام البائد في السودان، برزت تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدور الذي تضطلع به هذه المنظمة في خضم الأزمة السودانية. فما يبدو، ظاهريًا، كوساطة ناعمة وحوار بنّاء بين أطراف سودانية متنازعة، سرعان ما يتكشف، عند التدقيق، كعملية معقدة قد تكون في جوهرها جزءًا من مشروع إعادة تدوير الإسلاميين الذين أسقطتهم الثورة الشعبية.
تُعرّف «بروميديشن» نفسها باعتبارها منظمة غير حكومية تُعنى بالترويج للسلام المستدام والحوار بين أطراف النزاعات. غير أن التمعّن في مسارها ونشاطها الإقليمي يثير جملة من علامات الاستفهام، خاصة مع ارتباط اسمها – بشكل مباشر أو غير مباشر- بحركات الإسلام السياسي في أكثر من ساحة، من السودان إلى ليبيا وأفغانستان، وهو ما يضع حيادها المعلن موضع شك.
وتزداد هذه الشكوك حدّة بعد استضافة المنظمة لقاءات في كوالالمبور، ضمّت شخصيات محسوبة على النظام السابق، في خطوة اعتبرها مراقبون تجاوزًا واضحًا لخطوط الحياد.
الأخطر من ذلك، ما أقرّ به بعض القيادات الإسلامية نفسها من أن تلك اللقاءات جرت بعلم ومباركة المجلس السيادي السوداني، الأمر الذي يفتح الباب واسعًا أمام التساؤل عن الأهداف الحقيقية لهذه الوساطة.
ورغم الخطاب الناعم الذي تتبناه «بروميديشن» حول السلام وبناء الثقة، يرى كثير من المراقبين أن تحركاتها تندرج ضمن استراتيجية دولية لإعادة تمكين الإسلاميين في السودان، بعد أن فقدوا السلطة بسقوط النظام السابق. ويجري ذلك عبر إعادة تجميع صفوفهم، وإعادة تقديمهم للمجتمع الدولي في صورة «ضحايا إقصاء»، لا باعتبارهم طرفًا مسؤولًا عن عقود من الاستبداد والحروب والانقسامات.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام منظمة دولية تعمل حقًا من أجل الديمقراطية والاستقرار، أم أننا إزاء محاولة جديدة لإعادة إنتاج المشروع السياسي ذاته الذي قاد السودان إلى التفكك والصراع؟
ما يثير القلق على نحو أكبر هو استخدام شعارات «السلام المستدام» كغطاء لتمرير عملية تمكين مقنّعة، في وقت لا يزال فيه الشعب السوداني يدفع ثمن الحروب والانقسامات والدمار الشامل. فإعادة تقديم الإسلاميين كـ«شركاء سلام» أو «صنّاع استقرار» تتجاهل واقعًا مثقلًا بالانتهاكات والفشل السياسي، وتفتح الباب أمام إعادة إنتاج الأزمة بدل حلّها.
إن ما يتعيّن على القوى السياسية السودانية فعله اليوم هو التعامل بحذر بالغ مع مثل هذه المنظمات، وألا تنخدع بالشعارات البراقة عن الحياد والسلام. فليس كل من يدّعي الوساطة محايدًا بالضرورة، وليس كل مسار تفاوضي يصب في مصلحة الشعوب.
وفي ظل الغموض الذي يكتنف تمويل «بروميديشن» وأدوارها الإقليمية، تبرز الحاجة إلى وقفة جادة لإعادة تقييم ما إذا كانت هذه المنظمة تعمل بالفعل من أجل مصلحة السودان، أم أنها مجرد واجهة لإعادة تمكين قوى الماضي الساعي للعودة إلى المشهد.
يبقى المبدأ الأهم أن لا يحق لأي جهة خارجية، منظمة كانت أو دولة، أن تفرض واقعًا سياسيًا على الشعب السوداني. فالسودان يجب أن يكون صاحب قراره الأول والأخير، بعيدًا عن ألعاب السياسة الدولية التي كثيرًا ما تتجاهل تطلعات الشعوب وحقها في مستقبل عادل وخالٍ من الحروب والانقسامات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.