إلى أيّ مواطنٍ مصريّ… حين لا ينسى التاريخ… شهادة للتاريخ لا للتجريح.
تأتي هذه الرسالة على خلفية حملات السلطات المصرية التي وُصفت بالمتعسفة والمهينة لكرامة اللاجئين السودانيين في مصر خلال الأسابيع الأخيرة.
ومن مواطن سوداني غيور على مصلحة الشعبين فضل عدم الكشف عن هويته لـ»عين الحقيقة»، رسالة تدق ناقوس الذاكرة التاريخية بين البلدين، موجّهة إلى بريد: أيُّ مصريٍّ تحدّث عن السودانيين؟
التاريخ لا يُعاد كتابته بالأهواء، ولا يُمحى بالصخب، ولا يُحرَّف بالتجاوزات، فالحقائق تبقى مهما طال الزمن.
في عام 1967، تعرّض الجيش المصري لهزيمة قاسية فيما عُرف بـ«النكسة»، وهي لحظة لم تكن ثقيلة على مصر وحدها، بل على الأمة العربية جمعاء. وفي ذلك الظرف العصيب لم يقف السودان متفرجًا، بل تحرّك سريعًا. ففي الخرطوم عُقد مؤتمر عاجل لدعم مصر، ودُعي الرئيس جمال عبد الناصر إلى السودان، حيث استقبله الشعب السوداني من مطار الخرطوم حتى القصر الجمهوري استقبالًا حافلًا. وعندما قال عبد الناصر للرئيس السوداني جعفر محمد نميري: «أتستقبل رجلًا مهزومًا؟» جاء الرد التاريخي: «هزيمة مصر تعني هزيمة السودان أولًا». ومن الخرطوم أيضًا أُصلح الخلاف بين الملك فيصل وجمال عبد الناصر، بما مهّد لوحدة الموقف العربي.
وفي تلك السنوات، انتقلت الكلية الحربية المصرية إلى السودان، واحتضن المجتمع السوداني أبناء مصر تدريبًا وحمايةً وتأهيلًا. كما اتخذت القاذفات المصرية الثقيلة (TU-16)، التي شاركت في ضرب العمق الإسرائيلي في سيناء خلال حرب أكتوبر 1973، من وادي سيدنا بالسودان موقعًا للتدريب والحماية منذ عام 1969. وكان النشيد الوطني المصري يُعزف داخل الكلية الحربية المصرية في السودان، دون أن يثير ذلك أي اعتراض أو جدل حول السيادة.
وعقب تدمير سلاح الطيران المصري، نُقل كامل السلاح الجوي إلى وادي سيدنا، حيث استضاف السودان الطيارين والطائرات، وأسهم الجيش السوداني في إعادة تدريب وتأهيل الضباط المصريين، بينما انتقل جزء كبير من الجيش المصري إلى السودان تحت حماية الجيش السوداني.
وخلال الفترة ما بين 1968 و1973، دخل إلى السودان نحو 6.5 مليون مصري، بلا تأشيرات، وبلا إهانات، وبلا توصيفات مهينة. تلقّوا العلاج والتعليم والعمل والسكن بالمجان، وكأنهم مواطنون سودانيون، دون وجود اتفاقية للحريات الأربع، ودون أن يُسجَّل احتجاج واحد من المواطنين السودانيين.
وفي حرب أكتوبر 1973، شاركت القوات المسلحة السودانية بقوام يناهز عشرة آلاف مقاتل، بكامل عتادها، جنبًا إلى جنب مع الجيش المصري. وكان من بين المشاركين عمر حسن أحمد البشير، الرئيس السوداني الأسبق «المخلوع»، الذي كُرّم لاحقًا بوسام نجمة الشرف. وتمركزت كتائب شندي وعطبرة في خطوط المواجهة الأولى، وكانت وحدات سودانية من أوائل من عبروا خط بارليف، وقدّم السودان شهداء سقطوا في أرض سيناء حتى رُفع العلم المصري وسقط علم الاحتلال.
إن التاريخ يشهد بأن السودان كان جارًا في وقت الشدة، وسندًا في لحظات الانكسار، وشريك دمٍ قبل أن يكون شريك سياسة.. وقد عبّر الفنان أبو داوود عن تلك الروح بقوله:
«من الخرطوم للقاهرة
سلام وتحية معطرة
كتائب شندي وعطبرة
تهدر فوق القنطرة».
فهل يتذكّر الإخوة في مصر ذلك؟؟؟ ما يمرّ به السودان اليوم هو شدة وظلم ذوي القربى، غير أن الأيام دُوَل… فالتاريخ لا ينسى، ومن لا يحفظ المعروف لا يصنع مستقبلًا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.