الدولة المختطفة: كيف نهب الإخوان السودان باسم التمكين؟

نورا عثمان

سيطرة الإخوان على مفاصل الدولة السودانية خلال العقود الثلاثة الماضية ليست مجرد تجربة حكم فاشلة، بل كان مشروعاً متكاملاً لاختطاف الدولة وإعادة تشكيلها لخدمة تنظيم بعينه. فمنذ انقلاب عام 1989 بقيادة عمر البشير وبتخطيط من حسن الترابي، بدأت مرحلة “التمكين” التي لم تكن سوى عملية ممنهجة لإقصاء السودانيين من دولتهم، وإحلال كوادر الحركة الإسلامية محلهم في كل مفصل سيادي واقتصادي.
التمكين لم يكن شعاراً سياسياً عابراً، بل كان عقيدة حكم. تم تفكيك الخدمة المدنية، وإعادة بنائها على أسس الولاء لا الكفاءة. المؤسسات التي كان يفترض أن تحمي الدولة تحولت إلى أدوات لحماية التنظيم. من الوزارات إلى البنوك، ومن الجيش إلى جهاز الأمن، لم يكن هناك مجال لم تطله يد الإخوان، حتى أصبحت الدولة السودانية، عملياً، رهينة شبكة مغلقة تديرها قلة تحت ستار الدين.
لكن الأخطر من السيطرة على السلطة، كان نهب الموارد. خلال سنوات الحكم، جرى تفريغ خزينة الدولة عبر شبكات فساد معقدة، شملت شركات واجهة واستثمارات خارج الرقابة، وعمليات تهريب للذهب والموارد الطبيعية. لم يكن الفساد مجرد انحراف، بل كان جزءاً من بنية النظام نفسه. كل من ينتمي إلى الدائرة التنظيمية كان له نصيب، وكل من يقف خارجها كان يدفع الثمن.
لقد دفع السودانيون كلفة هذا المشروع باهظة: اقتصاد منهار، مؤسسات مدمرة، وحروب أهلية غذّتها سياسات الإقصاء والتهميش. لم يكن انفصال الجنوب حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لسياسات حكم فاشلة لم تعترف بالتنوع ولم تؤمن بالدولة الوطنية. وفي دارفور وكردفان والنيل الأزرق، تحولت الدولة إلى طرف في الصراع، بدلاً من أن تكون حكماً بين مواطنيها.
اليوم، وبعد سقوط النظام، لم تنتهِ القصة. فشبكات التمكين التي زرعها الإخوان لا تزال حاضرة داخل مؤسسات الدولة، تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، مستفيدة من حالة الحرب والانقسام. بعض هذه الشبكات عاد إلى الواجهة تحت غطاء “الدولة” أو “المعركة”، بينما يواصل في الخفاء حماية مصالحه القديمة.
المفارقة المؤلمة أن التنظيم الذي رفع شعارات العدالة ومحاربة الفساد، هو نفسه الذي أسس واحدة من أكبر منظومات الفساد في تاريخ السودان. لم يكن الهدف بناء دولة، بل بناء نفوذ. ولم يكن همّه خدمة المواطن، بل ضمان بقاء التنظيم مهما كان الثمن.
إن استعادة السودان لا تعني فقط إنهاء الحرب، بل تفكيك هذا الإرث الثقيل من التمكين والفساد. فدولة تُدار بمنطق التنظيم لا يمكن أن تكون عادلة، واقتصاد يُنهب لصالح فئة لا يمكن أن يتعافى. المعركة الحقيقية ليست فقط في الميدان، بل في إعادة تعريف الدولة نفسها: هل هي ملك لتنظيم، أم لكل السودانيين؟
هذا هو السؤال الذي لم يُحسم بعد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.