الحرب ومصالح (الجماعة).. من يدفع ثمن الصراع في السودان؟

تيسير المبارك

كلما طالت الحرب في السودان، ازداد سؤال السودانيين إلحاحاً: من المستفيد الحقيقي من استمرار هذا النزيف؟ ومن الذي يربح بينما يخسر المواطن منزله ووظيفته وأمنه ومستقبل أطفاله؟

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام كارثة إنسانية غير مسبوقة. مدن دُمرت، وملايين النازحين واللاجئين، واقتصاد ينهار بوتيرة متسارعة، وخدمات أساسية تكاد تختفي من حياة المواطنين. وبينما تتفاقم معاناة السودانيين يوماً بعد يوم، يرى كثير من المراقبين أن بعض القوى السياسية والتنظيمية لا تزال تنظر إلى الحرب باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب موازين النفوذ والسلطة.

ويذهب منتقدون للحركة الإسلامية السودانية وجماعة الإخوان المسلمين إلى أن قطاعات داخل هذا التيار تنظر إلى استمرار المواجهة العسكرية باعتباره وسيلة للحفاظ على نفوذها داخل مؤسسات الدولة، أو منع أي عملية سياسية قد تفتح الباب أمام مراجعة مرحلة طويلة من الحكم والمساءلة بشأن القرارات والسياسات التي أسهمت في الأزمات التي عاشتها البلاد خلال العقود الماضية.

وبالنسبة لهؤلاء المنتقدين، فإن الخشية من المحاسبة السياسية والقانونية تمثل أحد العوامل التي تجعل بعض الأطراف أكثر تمسكاً بخيار الحرب وأقل استعداداً لتقديم تنازلات تفضي إلى تسوية سياسية شاملة. فكلما طال أمد الصراع، تراجعت فرص النقاش حول المسؤوليات السياسية والاقتصادية، وتقدمت الاعتبارات العسكرية والأمنية إلى واجهة المشهد.

لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن المواطن السوداني هو الذي يتحمل التكلفة الأكبر. فالمعلم الذي ينتظر راتباً لا يكفي احتياجات أسرته، والطبيب الذي يعمل في مستشفى يفتقر إلى أبسط المعدات، والمزارع الذي فقد أرضه، والطفل الذي حُرم من التعليم، جميعهم يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.

لقد أدت الحرب إلى استنزاف الموارد العامة وتوجيه جزء كبير من الإمكانات نحو المجهود العسكري، في وقت تواجه فيه قطاعات التعليم والصحة والمياه والكهرباء أزمات متفاقمة. كما أسهمت حالة عدم الاستقرار في تراجع الاستثمار والإنتاج وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بصورة غير مسبوقة.

ويرى كثير من السودانيين أن البلاد تحتاج اليوم إلى مشروع وطني يضع مصلحة المواطنين فوق مصالح التنظيمات والأحزاب، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة التي تخدم الجميع لا فئة بعينها. فالحروب قد تمنح بعض الأطراف مكاسب مؤقتة، لكنها لا تصنع استقراراً دائماً ولا تبني أوطاناً قادرة على النهوض.

إن مستقبل السودان لا يمكن أن يبقى رهينة لصراعات النفوذ أو حسابات البقاء السياسي. فالشعوب لا تقاس بقدرة قادتها على خوض الحروب، بل بقدرتهم على حماية المواطنين وصون كرامتهم وتوفير حياة آمنة لهم.

وبينما تتواصل المعاناة الإنسانية وتتزايد أعداد الضحايا والنازحين، يبقى السؤال الأخلاقي والسياسي مطروحاً بقوة: إلى متى يستمر السودانيون في دفع ثمن صراعات السلطة؟ وإلى متى ستبقى مصالح القوى المتنافسة مقدمة على حق الناس في السلام والاستقرار والحياة الكريمة؟

لقد أثبتت تجارب كثيرة أن السلام العادل والمحاسبة والشفافية هي الطريق الأقصر لبناء دولة مستقرة. أما استمرار الحرب، أياً كانت مبرراته، فلن يورث الأجيال القادمة سوى مزيد من الخسائر والانقسامات والجراح المفتوحة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.