كفي ظل المشهد السياسي السوداني المأزوم يبرز “المواطن السوداني” كبطل تراجيدي في قصة لم تكتمل فصولها بعد. إن الحديث عن الضائقة الاقتصادية في السودان اليوم لا يمكن فصلها عن سياق الحرب العبثية التي مزقت نسيج الدولة ولا عن حالة الانسداد السياسي التي جعلت من الوصول إلى سلام مستدام مطلباً بعيد المنال، رغم أنه يمثل حاجة وجودية لا ترفاً سياسياً.
لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على السلطة أو نفوذ عسكري، بل تحولت إلى “محرك أساسي” للانهيار الاقتصادي. إن تدمير البنية التحتية، وتعطل سلاسل الإمداد، وهروب رؤوس الأموال جعل من الاقتصاد السوداني جسداً منهكاً.
المواطن الذي كان يعاني أصلاً من تداعيات سنوات من العزلة والسياسات غير الرشيدة وجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة مع التضخم الجامح وتآكل القوة الشرائية للعملة الوطنية وانعدام أبسط مقومات الحياة. لقد تحول الاقتصاد من أداة للتنمية إلى أداة للصمود في وجه الموت حيث تنفق الأسر الموارد الشحيحة في رحلات النزوح المتكررة بحثاً عن ملاذ آمن بدلاً من توجيهها نحو الإنتاج أو التعليم.
الضائقة الاقتصادية: أداة ضغط أم نتاج طبيعي؟
يتساءل الكثير من المراقبين: هل الضائقة الاقتصادية هي نتيجة طبيعية للحرب أم أنها سلاح يُستخدم للضغط على المواطنين لتقبل واقع سياسي معين؟ الحقيقة أن المشهد يجمع بين الاثنين. فالحرب فرضت حصاراً داخلياً لكن غياب الرؤية الوطنية الموحدة لإدارة الأزمة الاقتصادية خلال فترة ما قبل الحرب وبعدها زاد من عمق الجراح.
إن المواطن السوداني اليوم يدفع ثمن “الاستقطاب الحاد”. فعندما تتوقف المصانع وتجف الموارد تصبح الحياة اليومية للمواطن ساحة معركة أخرى حيث تتفشى البطالة وتنهار الخدمات الصحية والتعليمية مما يخلق بيئة خصبة لليأس الذي قد يدفع بالمجتمع نحو المجهول.
السلام: ضرورة أم استراتيجية سياسية؟
إن الحديث عن السلام في السودان غالباً ما يغرق في التفاصيل الإجرائية واللقاءات الفوقية متجاهلاً “السلام الاجتماعي” الذي يحتاجه المواطن في معيشته.
النموذج السياسي القاصر: غالباً ما يتم اختزال السلام في تقاسم للسلطة بين النخب العسكرية والسياسية وهو ما أثبتت التجارب التاريخية فشله لأن السلام الذي لا يضع كرامة المواطن وحقه في العيش الكريم كأولوية قصوى هو سلام هش وقابل للانفجار.
الحاجة لسلام قاعدي: يجب أن ينتقل مفهوم السلام من الغرف المغلقة إلى القواعد الشعبية. السلام الحقيقي هو الذي يضمن عودة النازحين، وإعادة بناء المؤسسات الإنتاجية، واستقرار العملة، وحماية حقوق الإنسان.
الخروج من نفق الأزمات:
إن مأساة المواطن السوداني ليست قدراً محتوماً ولكن الخروج منها يتطلب شجاعة أدبية وسياسية من الأطراف كافة:
وقف العدائيات بقرار وطني: يجب أن يدرك الفرقاء أن استمرار الحرب هو انتحار جماعي للدولة وأن كلفة السلام مهما كانت باهظة تظل أرخص بكثير من كلفة الفناء.
أولوية الاقتصاد الإنساني: يجب تحييد الاقتصاد عن الصراعات العسكرية وتشكيل إدارة تكنوقراطية قادرة على إدارة الموارد المتبقية بفاعلية وشفافية بعيداً عن أهواء التجاذبات السياسية.
العقد الاجتماعي الجديد: يحتاج السودان إلى عقد اجتماعي يحدد علاقة المواطن بالدولة ويضع حداً لنهج الهيمنة ويؤسس لمواطنة متساوية لا تمييز فيها على أساس عرقي أو جهوي.
يبقى المواطن السوداني هو الضحية الأولى والطرف الأكثر تضرراً و لكنه أيضاً هو المخزون الاستراتيجي الذي لا ينضب للتغيير. إن إنهاء الحرب وتحقيق السلام ليس مجرد عملية سياسية بل هو استعادة لكرامة الإنسان السوداني الذي يطمح لأن يعيش في دولة توفر له الأمان والخبز والحرية.
إن التاريخ لن يرحم أولئك الذين أضاعوا فرصاً تلو الأخرى من أجل أطماع شخصية بينما كان المواطن السوداني يصارع للبقاء بين ركام الحرب وشظف العيش. السؤال الآن ليس متى تنتهي الحرب بل هل يملك أطراف الصراع الحكمة والمسؤولية لوقف هذا النزيف قبل أن تتلاشى معالم الدولة تماماً؟
إن مأساة السودان الراهنة ليست قدراً جيوسياسياً محتوماً بل هي نتيجة تراكمية لخلل بنيوي في مفهوم “الدولة” ذاته حيث غلبت النزعة نحو السلطة على ضرورة البناء الوطني. إن المواطن السوداني الذي يقف اليوم على حافة التيه لا ينتظر حلولاً ترقيعية أو صفقات سياسية عابرة تعيد إنتاج الأزمات، بل يتطلع إلى “ميثاق وطني” يعيد الاعتبار للإنسان كغاياتٍ لا كأدوات في صراعات النخب.
إن الطريق نحو السلام لن يُعبد بالنوايا الحسنة وحدها بل بكسر حلقة “الاقتصاد الحربي” التي تقتات على دماء السودانيين ومواردهم. فالسلام الحقيقي هو ذلك الذي يبدأ من استعادة سيادة القانون وحماية الاقتصاد الوطني من التفتت والارتهان، وهو سلامٌ يدرك أن استقرار الحكم لا يستقيم إلا باستقرار المعاش.
وسيظل التاريخ شاهداً على أن الفشل في حماية المواطن من براثن الضائقة الاقتصادية وويلات الحرب هو إعلان رسمي عن عجز المشروع السياسي عن الاستمرار. إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من البنادق أو الشعارات، بل يحتاج إلى “يقظة ضمير سياسي” تُعلي من شأن الوطن، وتدرك أن بقاء الدولة وسلامة مواطنيها هما المعيار الوحيد للشرعية وأنه لا نصر لأحد في بلدٍ ينهار تحت أقدام أبنائه.
إن الوقت يداهم الجميع والفرصة التاريخية لإنقاذ ما تبقى من كيان الدولة تتطلب التنازل عن الغرور السياسي لصالح بقاء الأمة فالتاريخ لا يرحم من يختارون المجد الشخصي على حساب بقاء وطنٍ يوشك على الغياب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.