أطفال السودان.. نصف ضحايا الحرب يحملون حقائب النزوح

بقلم: نورا عثمان

حين تندلع الحروب، يتحدث الساسة عن المعارك، ويتجادل القادة حول الانتصارات والهزائم، وتتزاحم التصريحات حول المكاسب والخسائر. لكن هناك حقيقة إنسانية موجعة تظل غالباً بعيدة عن الأضواء: الأطفال هم دائماً الخاسر الأكبر.

الأرقام التي أعلنتها منظمة الهجرة الدولية مؤخراً ليست مجرد إحصاءات عابرة، بل شهادة دامغة على حجم المأساة التي يعيشها السودان. فحين يشكل الأطفال 55% من إجمالي النازحين داخل البلاد، فهذا يعني أن أكثر من نصف الذين اقتُلعت حياتهم من جذورها هم أطفال لم يكن لهم أي دور في إشعال الحرب، لكنهم وجدوا أنفسهم يدفعون ثمنها كاملاً.

خلف هذا الرقم ملايين القصص الصغيرة التي لا تجد طريقها إلى نشرات الأخبار. طفل استيقظ ذات صباح على أصوات الرصاص بدلاً من جرس المدرسة، وطفلة تركت ألعابها ودفاترها وذكرياتها خلفها وهي تهرب مع أسرتها بحثاً عن مكان آمن. أطفال كانوا يحلمون بأن يصبحوا أطباء أو معلمين أو مهندسين، فإذا بهم يقضون طفولتهم بين مراكز الإيواء والخيام وأطوابير المساعدات الإنسانية.

لقد سرقت الحرب من هؤلاء الأطفال أكثر من المنازل. سرقت منهم الشعور بالأمان، وحرمتهم من التعليم المنتظم، ومن الرعاية الصحية الكافية، ومن أبسط حقوقهم في أن يعيشوا طفولة طبيعية. كثير منهم شهدوا مشاهد عنف لا ينبغي لأي طفل أن يراها، وفقد بعضهم آباء أو أمهات أو إخوة، فيما لا يزال آخرون يعيشون يومياً تحت وطأة الخوف والقلق وعدم اليقين.

ورغم أن التقارير تشير إلى عودة ملايين السودانيين إلى مناطقهم الأصلية، فإن العودة لا تعني بالضرورة نهاية المعاناة. فالكثير من الأطفال يعودون ليجدوا مدارسهم مدمرة أو مغلقة، وأحياءهم بلا مياه أو كهرباء أو خدمات صحية. يعودون إلى أماكن يعرفونها بالاسم فقط، بعد أن تغيرت ملامحها تحت وطأة الحرب.

المؤلم في الأمر أن الحديث عن الأطفال غالباً ما يأتي في نهاية النقاشات السياسية والعسكرية، وكأن معاناتهم تفصيل ثانوي في مشهد الصراع. بينما الحقيقة أن أي حرب تجعل الأطفال أكثر من نصف ضحاياها هي حرب تسرق مستقبل الوطن نفسه. فالأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد أو جيوش، بل بما توفره لأطفالها من أمن وتعليم وفرص للحياة الكريمة.

اليوم، لا يحتاج أطفال السودان إلى المزيد من البيانات والتصريحات، بل يحتاجون إلى سلام حقيقي يعيدهم إلى مقاعد الدراسة، وإلى بيوت آمنة، وإلى حياة لا يكون فيها الخوف رفيقهم الدائم. يحتاجون إلى أن يتذكر الجميع أن وراء كل رقم في تقارير النزوح وجهاً صغيراً وقلباً مرهقاً وحلماً مهدداً بالضياع.

فإذا كان الأطفال يمثلون 55% من نازحي السودان، فإنهم يمثلون أيضاً 100% من مستقبل السودان. وأي مستقبل يُبنى فوق طفولة مكسورة سيظل ناقصاً مهما تعددت الشعارات وتبدلت المبررات.

لقد آن الأوان لأن يصبح إنقاذ الأطفال وإنهاء معاناتهم أولوية وطنية وأخلاقية قبل أي حسابات أخرى. لأن الحرب التي تملأ طرقات النزوح بالأطفال ليست مجرد أزمة إنسانية، بل جرح عميق في ضمير الوطن كله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.