لم يكن السودانيون الذين عبروا الحدود إلى مصر هربًا من أتون الحرب يتخيّلون أن النجاة من الرصاص ستقودهم إلى اختبارٍ آخر، أقل ضجيجًا لكنه أشد قسوة: اختبار الكرامة. فالتضييق المتصاعد على اللاجئين السودانيين في مصر لم يعد مجرد شكاوى متفرقة، بل ظاهرة مكتملة الأركان، تتقاطع فيها السياسة بالأمن، والاقتصاد بالهواجس، والإنسان بالهامش.
منذ اندلاع حرب أبريل، تدفّق مئات الآلاف من السودانيين إلى مصر، محمّلين بصدمة الفقد وانكسار البيوت. في البداية، سادت لغة التضامن الشعبي، وبدت مصر ملاذًا طبيعيًا بحكم الجوار والتاريخ. غير أن هذا المشهد سرعان ما تبدّل. قيود على الإقامة، تشديد في الإجراءات، حملات توقيف وترحيل، تضييق على فرص العمل والسكن، ونظرة عامة تميل إلى الشك والوصم بدل الاحتواء.
المفارقة المؤلمة أن اللاجئ السوداني لا يُعامَل كإنسان فارّ من حرب، بل كعبء أمني واقتصادي. تُختزل قصته في أرقام، وتُختصر معاناته في ملفات. وفي هذا الاختزال، تضيع حقيقة أساسية: أن السودانـيين لم يختاروا اللجوء، بل فُرض عليهم، وأنهم لم يغادروا وطنهم طلبًا لرفاهية، بل هربًا من موتٍ محقق.
لا يمكن فصل هذا التضييق عن سياق أوسع. فمصر، التي تعاني ضغوطًا اقتصادية خانقة، تنظر إلى موجات اللجوء بعين القلق، وتبحث عن ضبط المشهد بأدوات أمنية سريعة. لكن الأمن، حين يُدار بلا بوصلة إنسانية، يتحول إلى أداة ظلم. فالقوانين الصارمة التي لا تميّز بين لاجئ ومخالف، وبين هارب من حرب وباحث عن فرصة، تخلق هشاشة مضاعفة وتدفع الناس إلى العيش في الظل.
الأخطر من ذلك هو الأثر النفسي والاجتماعي. طفل سوداني يُحرم من التعليم بسبب وضع قانوني ملتبس، أمّ تخشى الخروج للعلاج خوفًا من التوقيف، شاب يعمل في مهن شاقة بلا حماية قانونية. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل ملامح أزمة إنسانية صامتة تتشكّل بعيدًا عن الكاميرات.
المطلوب ليس تجاهل تحديات الدولة المستضيفة، ولا إنكار حقها في التنظيم، بل تبنّي مقاربة عادلة تُوازن بين السيادة والإنسانية. مقاربة تُشرك المجتمع الدولي في تحمّل المسؤولية، وتُفعّل دور المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وتمنح السودانيين وضعًا قانونيًا واضحًا يقيهم الاستغلال والإذلال.
السودانيون في مصر ليسوا طارئين على التاريخ، ولا غرباء عن الجغرافيا. هم شعب كُسر مرتين: مرة في وطنه بالحرب، ومرة في لجوئه بالتضييق. وإذا كان العالم عاجزًا عن إيقاف الحرب، فلا أقل من أن يمنع تحوّل اللجوء إلى عقوبة إضافية.
الإنسان، في النهاية، لا يحتاج أكثر من حق بسيط: أن يُعامل كإنسان.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.