لاجئو السودان في مصر: الهروب من الحرب إلى قبضة الترحيل

خاص: عين الحقيقة

لم يعد الهروب من الحرب في السودان نهاية لمسار الخوف، بل بدايته بصيغة أخرى… فعلى الطرق الصحراوية الوعرة بين السودان ومصر، وتحت جنح الظلام، تتبدد آمال آلاف السودانيين في النجاة، لتتحول رحلة اللجوء من بحث عن الأمان إلى مخاطرة مضاعفة، تنتهي في كثير من الحالات بالاحتجاز والترحيل القسري، لا بالاستقرار المنشود.

منذ تزايد وتيرة الصراع في السودان، برزت مصر كوجهة اضطرارية لا كخيارٍ حر. إلا أن ما واجهه اللاجئون هناك، خصوصًا منذ أواخر عام 2023 وخلال عام 2025، كشف عن واقع أكثر قسوة.

فقد وثّقت منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، تصاعدًا لافتًا في الحملات الأمنية بحق السودانيين، تجاوز ملاحقة العابرين بطرق غير نظامية إلى مداهمات في أحياء بالقاهرة والجيزة، ومدن جنوبية مثل أسوان، حيث تتركز أعداد كبيرة من اللاجئين.

يروي أحد اللاجئين، فضل حجب اسمه لـ»عين الحقيقة»، تفاصيل صادمة قائلاً: ظننا أننا نجونا من الموت في الخرطوم، لكننا وجدنا أنفسنا في حافلة بأسوان، ثم في زنزانة ضيقة ننتظر الترحيل إلى الجحيم ذاته.

المعطيات الميدانية، المدعومة بشهادات مباشرة ومقاطع مصورة جرى التحقق منها، تشير إلى نمط واضح من الانتهاكات، أبرزها الاحتجاز الجماعي في أماكن تفتقر لأبسط مقومات الحياة من تهوية ورعاية صحية ومياه نظيفة، إضافة إلى الترحيل القسري الجماعي عبر حافلات إلى معبر قسطل- أشكيت، دون تمكين المحتجزين من التواصل مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو حتى تقديم طلبات لجوء. والأخطر، توثيق حالات اعتقال من داخل مستشفيات في أسوان، شملت مصابين بحوادث وقعت أثناء رحلة الفرار.

قانونيًا، ترى المنظمات الحقوقية أن هذه الممارسات تمثل خرقًا صريحًا لاتفاقية اللاجئين لعام 1951، التي صادقت عليها مصر، وتنص بوضوح على مبدأ عدم الإعادة القسرية للأشخاص المعرّضين لخطر حقيقي في بلدانهم. في المقابل، تصر السلطات المصرية على توصيف ما يجري باعتباره إجراءات تنظيمية لمكافحة الهجرة غير النظامية وحماية الأمن القومي، مؤكدة ضرورة تقنين أوضاع الأجانب والحصول على إقامات قانونية.

وبين هذا وذاك، يقف اللاجئ السوداني عالقًا في منطقة رمادية، بلا حماية فعلية ولا أفق واضح. فالبقاء في السودان يعني مواجهة الحرب، والفرار شمالًا قد ينتهي بالاعتقال والترحيل.. معادلة قاسية تختزل أزمة إنسانية تتجاوز الجغرافيا والسياسة، وتطرح سؤالًا أخلاقيًا وقانونيًا ملحًا:

إلى أي حد يمكن أن تطغى الاعتبارات الأمنية على الالتزامات الإنسانية، حين يكون الإنسان ذاته هو الضحية الأولى والأخيرة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.