يحمل تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية في السودان دلالات تمتد إلى عمق البنية السياسية والأمنية والاقتصادية؛ إذ تمكّنت الحركة الإسلامية السودانية من احتلال مركز السلطة منذ انقلاب عام 1989م، وأعادت تشكيل أجهزة الدولة على أساس مشروعها الأيديولوجي التمكيني–الأمني المتخندق، الممتد لثلاثة عقود، ما يجعل أي خطوة دولية أو إقليمية في اتجاه تصنيف التنظيم ذات أثر مباشر على مسار الصراع في السودان، خاصة بعد انخراط كوادره وميليشياته في النزاع المسلح منذ أبريل 2023م. وهذا أولًا.
ثانيًا: إذا نظرنا إلى التطور التاريخي للتنظيم وبنيته الفكرية والتنظيمية، نجد أن الحركة بدأت كامتداد مباشر لفكر حسن البنا في أربعينيات القرن الماضي داخل الوسط الطلابي، ثم تطورت إلى حركة ذات حضور سياسي منظم عبر أطروحات قادها الدكتور حسن الترابي. واستطاعت بناء منظومة فكرية شكّلت قاعدة للتمكين داخل الدولة، واعتمدت تكتيكًا يقوم على تغيير الواجهة السياسية كلما تبدّل المناخ العام، مع الإبقاء على الجوهر التنظيمي، الأمر الذي أتاح لها قدرة عالية على المناورة داخل مسارات الحكم، وسمح لها بتوسيع نفوذها داخل المؤسسات الرسمية.
ثالثًا: إن المراحل المحورية في البناء المؤسسي للإخوان في السودان مُعمِلة للفكر وتجيب عن كثير من تساؤلات اليوم؛ فقد مرّت الحركة بعدة مراحل تنظيمية، بدأت في الفترة ما بين 1944م و1954م تحت مسمى حركة التحرير الإسلامي، وهي مرحلة ارتبطت بالنشاط الطلابي وبالتأثر المباشر بإخوان مصر.
ثم دخلت مرحلة جديدة ما بين 1964م و1969م عبر جبهة الميثاق الإسلامي، حيث انخرطت في مقاومة النظام وشاركت في انتفاضة أكتوبر، وانتقلت خلالها نحو العمل السياسي المهيكل مع تبني مشروع دستوري إسلامي.
وفي الفترة بين 1977م و1985م توسع نفوذ الحركة عبر مسمى الجبهة الإسلامية القومية، إذ تمكنت من التغلغل داخل أجهزة الدولة والجيش والقطاع المالي أثناء المصالحة الوطنية.
ثم جاءت مرحلة الإعداد للاستيلاء على السلطة بين 1985م و1989م عبر بناء جهاز سري عسكري يعمل خلف المشهد. وبعد نجاح الانقلاب العسكري عام 1989م دخل السودان مرحلة حكم الحزب الواحد، حيث أنشأ التنظيم مشروع التمكين، وسيطر على مفاصل الدولة، وأنشأ قوات الدفاع الشعبي وواجهات أمنية مجتمعية أخرى.
واستمر الأمر إلى أن أجّجت الجبهة الإسلامية الحريق في جنوب السودان بمشروعها الجهادي العنصري، وصولًا إلى قرارات رمضان الشهيرة التي زُجّ بموجبها عرّاب الحركة في غياهب السجون والمعتقلات.
وفي الفترة الممتدة بين 1999م و2019م انقسمت الحركة إلى المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي بعد ما عُرف بالمفاصلة، إلا أن هذا الانقسام لم يُنهِ نفوذها الفعلي، ثم عادت عبر بوابة العمل العسكري خلال الحرب الأخيرة من خلال كتائب ذات ولاء عقائدي، أبرزها كتيبة البراء بن مالك، والقعقاع، والبرق الخاطف، والبنيان المرصوص، وغيرها.
رابعًا: عند سبر أغوار العلاقة مع التنظيم الدولي للإخوان، نجد أن الحركة الإسلامية السودانية تعتبر نفسها جزءًا أصيلًا من المنظومة الفكرية العالمية للإخوان، مع الالتزام بالأصول الفكرية العامة التي أقرها مكتب الإرشاد العالمي، إضافة إلى هامش واسع من الاستقلال البراغماتي في القرار المحلي. وقد شاركت في مؤتمرات التنظيم العالمي، وآخرها مؤتمر لاهور/باكستان 2025م، الذي اعتمد فيه التنظيم استراتيجيته الجديدة للتعامل مع المتغيرات القُطرية والإقليمية والدولية.
ومع اتجاه الولايات المتحدة في بداية عام 2026م نحو تصنيف فروع التنظيم في المنطقة ككيانات إرهابية (الأردن، مصر، لبنان، المغرب… إلخ)، يجد الفرع السوداني نفسه ضمن شبكة متشابكة تتعرض لموجة ضغط دولي متصاعدة، ما يفرض على كوادره التمهيد للتعامل مع تبعات تصنيف محتمل، وهو ما أقرّته اجتماعات أمينه العام مطلع عام 2026م بولاية نهر النيل.
خامسًا: مثّلت الواجهات الاقتصادية والإمبراطورية المالية للتنظيم عصبًا أساسيًا له، سواء على المستوى الدولي أو السوداني، تحت مسمى الأرض المباركة. وقد اعتمد مشروع التمكين على بناء شبكة اقتصادية واسعة تدير موارد الدولة عبر واجهات متعددة، حمل بعضها طابعًا خيريًا، مثل منظمة الدعوة الإسلامية، بينما عملت شركات أخرى في قطاعات استراتيجية.
ومن أبرز هذه الواجهات مجموعة دانفوديو العاملة في المقاولات والهندسة والخدمات البترولية، والتي وفّرت للتنظيم نفوذًا واسعًا في قطاعي البنية التحتية والطاقة، إلى جانب شركات وبنوك وأسماء أعمال أخرى. كما أدار رجال أعمال منتمون للحركة شركات عابرة للنقل، وشريان الشمال، ومجموعة شركات الزوايا التابعة لعبد الباسط حمزة، وغيرها من المجموعات القابضة التي سيطرت على حركة السلع الاستراتيجية والإمداد الثقيل، ما أتاح للتنظيم قدرة لوجستية مهمة.
وفي قطاع الأدوية، امتلك التنظيم شركة الكنار التي شكّلت أداة للتحكم في مورد حيوي يدر أرباحًا كبيرة للتنظيم، ولجهاز المخابرات العامة، حيث كان مدير الجهاز حاملًا للأسهم الأكبر فيها. كما أدارت كوادره شركة جمدا المتخصصة في تجارة السيارات والمعدات، والتي وفّرت آليات للجهازين الإداري والعسكري.
أما قطاع العقارات، فقد مثّلته أبراج الخير في الخرطوم، وهي أصول ضخمة توفر دخلًا ثابتًا للحركة على شكل عوائد إيجارية، ولم تتوقف يد التعدي على المال العام حتى عن الأوقاف التي تدر ملايين الدولارات للتنظيم ويستفيد بها قادته.
وفي تقديري، فإن أثر التصنيف الإرهابي على الشبكة المالية سيمتد ليشمل جماعات داخل السودان وخارجه؛ إذ إن إدراج أي فرع من فروع الإخوان ضمن قوائم الإرهاب يؤدي إلى تجميد الأصول داخل النظام المالي الدولي، ويجعل التعامل المصرفي شبه مستحيل، ما ينعكس مباشرة على قدرات التنظيم في السودان ويقلّص مصادر تمويله للأنشطة العسكرية والسياسية.
سادسًا: لا يمكن إغفال البنية العسكرية الموازية؛ فقد بنى التنظيم جهازًا عسكريًا موازياً منذ بداية حكمه، وقضى على مهنيي القوات المسلحة عبر التصفية والاغتيال والإعدامات، كما حدث لضباط رمضان في 1990م. ثم امتد الأمر إلى تكوينات موازية، حيث تأسست قوات الدفاع الشعبي عام 1989م ككيان يجمع بين الطابع القانوني والولاء الأيديولوجي، وبلغ عدد مقاتليها عشرات الآلاف، إذ صرّح أمين حسن عمر بأن العدد تجاوز نصف مليون مقاتل.
وبعد سقوط عمر البشير، انتقلت هذه القوات إلى نسق أكثر سرية تحت مسمى كتائب الظل، وفق توصيف الأمين العام للحركة الإسلامية علي عثمان محمد طه، وهي وحدات ذات ولاء شديد للحركة وقياداتها، استخدمت خطابًا يهدد بإسكات الثورة المدنية بقوة السلاح.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة، برزت كتيبة البراء بن مالك كقوة عسكرية متقدمة تتبع للحركة، وتقدّمت الواجهة رغم وجود كتائب أخرى يقودها اللواء أنس عمر، والفريق عمر نمر، وآخرون. وضمت آلاف المقاتلين تحت قيادة المدعو المصباح طلحة، الذي ظهر مؤخرًا معلنًا التعبئة من داخل العاصمة، ومُلمحًا إلى التمرد على قرارات القيادة العسكرية، مع اعتماد هذه الكتائب على أسلحة متطورة، من بينها الطائرات المسيّرة، التي لعبت دورًا مؤثرًا في معارك مواقع استراتيجية. وقد أثار هذا الوجود العسكري تساؤلات دولية حول مدى استقلالية قرار القيادة العسكرية في السودان.
سابعًا: إن التداعيات القانونية والسياسية للتصنيف الأمريكي، الذي اتجهت إليه إدارة الرئيس دونالد ترامب في أواخر 2025م وبداية 2026م، بتصنيف فروع التنظيم في مصر والأردن ولبنان ككيانات إرهابية، ستكون كبيرة على التنظيم السوداني. وقد أشارت واشنطن إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن عملية أوسع ستطال فروعًا أخرى وفق تقييمات التهديد.
ويُبنى التصنيف في القانون الأمريكي على معايير تشمل تهديد الأمن القومي الأمريكي أو مصالح الحلفاء، أو التورط في رعاية الإرهاب أو تقويض التحول الديمقراطي، وهي معايير تتوفر في الحالة السودانية عبر استضافة أسامة بن لادن وقيادات القاعدة في التسعينيات، وتنفيذ انقلابين عسكريين، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، إضافة إلى تفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام، وقصف المدمرة الأمريكية كول، والمشاركة الفاعلة في الحرب الحالية لإجهاض الاتفاق الإطاري.
ثامنًا: ظل موقف السلطة الانتقالية والجيش يشكّل غطاءً سياسيًا وأمنيًا للحركة وقياداتها، وعلى رأسهم الأمين العام علي كرتي، مع سعي البرهان والقيادة العسكرية إلى تقديم رواية مفادها أن الجيش يخوض القتال بصفته مؤسسة وطنية، وأن المقاتلين الإسلاميين مجرد مستنفرين. غير أن الظهور العلني للمصباح أبو زيد، وزيارات البرهان لعناصر الكتيبة في المستشفيات، واصطحاب الفريق ياسر العطا لعناصر الكتائب، كلها أحداث تُضعف هذه الرواية أمام المجتمع الدولي. وفي المقابل، رحّبت غالبية القوى المدنية السودانية بالتحركات الدولية الداعية إلى تصنيف الجماعة، ودشّنت تحالفات تأسيس وصمود حملات لتوثيق انتهاكات الحركة وتقديمها للجهات الدولية دعمًا لقرار التصنيف.
تاسعًا: سيكون تأثير التصنيف على العلاقات الدولية والاقتصاد السوداني هو الأعمق حال دخوله حيّز النفاذ؛ إذ يرتبط أي تقدم في ملف إعفاء ديون السودان وعودة البلاد إلى مسار التمويل الدولي بمدى قدرة الحكومة على تفكيك نفوذ الإخوان داخل أجهزة الدولة. كما يتأثر مسار انضمام السودان إلى الاتفاقات الإبراهيمية بوزن التيار الإسلامي في المشهد، حيث تعد هذه الاتفاقات شرطًا مهمًا في نظر واشنطن لاستعادة الدعم الدولي، بينما يعارضها التنظيم بشدة. وعلى مستوى المساعدات، فإن أي نفوذ فعلي للحركة داخل السلطة يؤدي إلى توقف التمويل الدولي وتعطيل قروض البنك الدولي، ما يفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
عاشرًا: عند الحديث عن مستقبل التنظيم في السودان، تبرز بروباغندا الحرب التي تصوّر التنظيم المحلول والحركة الإخوانية كحماة الدين والمدافعين عن حرائر الشعب، غير أن الواقع يشير إلى تراجع واضح في شعبية الحركة داخل المجتمع السوداني، مع احتفاظها بقدرات عسكرية ومالية. ويظل مستقبلها مرهونًا بمسار الحرب الحالية ومواقف الفاعلين الدوليين، وهو ما يفسر تعنتها ورفضها لأي عملية سلام أو مفاوضات.
ويبدو أن سيناريو العزلة الشاملة هو الأرجح، إذ يُتوقع أن يؤدي تصنيف دولي مباشر للحركة إلى انقسام داخلي، نتيجة ابتعاد العناصر البراغماتية خوفًا من الملاحقة، وانتقال الحركة إلى غرف سرية مغلقة يسهل رصدها، ما يضعف قدرتها على العمل السياسي، إلى جانب ضغط دولي قد يدفع الجيش إلى التخلص من نفوذها ودمج مقاتليها قسرًا أو إنهاء وجودهم المستقل.
ختامًا: يحمل تصنيف الحركة الإسلامية السودانية ككيان إرهابي آثارًا بنيوية تتصل بإعادة بناء الدولة السودانية، إذ حرّكت الحركة مؤسسات الدولة في اتجاه يخدم مصالح التنظيم الدولي، ما يجعل تفكيك شبكاتها المالية والعسكرية ضرورة للحفاظ على وحدة السودان واستقراره. وتحتاج القوى الوطنية والمجتمع الدولي إلى مواصلة التدقيق المالي في واجهات الحركة الاقتصادية، وإلى عزل سياسي واضح لأي كيان تورّط في إجهاض التحول المدني، مع متابعة قانونية تضمن عدم إفلات القيادات من المساءلة في ظل الحرب. ويتضح أن الطريق نحو استعادة التوازن السياسي والأمني في السودان يرتبط بإزالة النفوذ الفكري والمالي والعسكري الذي راكمه التنظيم، وهو توجه تدعمه واشنطن وعدد من الأطراف الإقليمية مع بداية عام 2026م.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.