التيار الإسلامي العريض وردّة تخوين المنظمات الدولية: كيف سقط قناع العمالة في كوالالمبور؟

ميرغني أبشر

بدافع الخوف من العزلة السياسية، ومن الانسحاب القسري من فضاءات التأثير الإقليمي والدولي، تخلّى دعاة الحرب في السودان، ومعهم واجهات التيار الإسلامي العريض، عن خطاب التخوين الذي طالما وُجّه إلى خصومهم، وعن مقولات العمالة والارتهان للخارج التي شكّلت جزءاً ثابتاً من معجمهم السياسي. حدث ذلك لحظة مشاركتهم الواسعة، وبكل واجهات الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المباد، في الورشة التي نظّمتها مؤخراً في العاصمة الماليزية كوالالمبور منظمة Promediation الفرنسية غير الحكومية، المتخصّصة في الوساطة وحل النزاعات.
هذه المنظمة، التي تعمل في الإطار الغربي للوساطة بوصفها طرفاً ثالثاً في النزاعات، تركّز نشاطها على إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب الصحراء، بما في ذلك السودان، وتعتمد في تمويلها على صناديق السلام ودول الاتحاد الأوروبي الداعمة للدولة المدنية، وتقليص دور الأيديولوجيات الدينية في الحكم، وتقديم الاستقرار السياسي على مشاريع التغيير الجذري. شارك في الورشة حزب الإصلاح الآن، وتيار المستقبل، وميادة سوار الذهب، وموسى هلال، ومجموعة من المؤتمر الشعبي الداعمة لاستمرار الحرب، في مشهد يكشف تحوّلاً نوعياً في خطاب الإسلاميين أكثر مما يعكس مراجعة فكرية حقيقية.
يبدو أن المشاركين انتهوا إلى قناعة مفادها أن إيصال صوت داعمي الحرب إلى مؤسسات صنع القرار الدولية بات ضرورة سياسية، في محاولة لإعادة صياغة مقولة الحرب، بعد أن قادت نتائجها إلى واحدة من أعقد الكوارث الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، وما يترتب على ذلك من مخاطر الإدانة والملاحقة القضائية والعقوبات الدولية، وصولاً إلى الإقصاء الدائم من أي دور سياسي في مستقبل السودان المدني. من هنا خرجت الورشة بجملة توصيات ومقولات سياسية مألوفة، في مقدمتها تحميل ثورة ديسمبر المجيدة مسؤولية عدم الاستقرار، واعتبار الاتفاق الإطاري سببًا مباشراً للحرب، والترويج لفكرة انتفاء الحاجة إلى وقف القتال ما لم ينتهِ باستسلام قوات الدعم السريع.
غير أن ما فات على المجتمعين في كوالالمبور أكثر دلالة من مخرجاتهم المعلنة.

أولاً، إن الحضور في المحافل الدولية، والتفاعل مع المجتمع الدولي بوصفه منظومة فاعلة ومؤثرة ذات بعد إنساني، يشكّل ضرورة سياسية راسخة منذ أن عرف البشر النزاعات “المنظمة”، ولا ينطوي في جوهره على خيانة أو عمالة. فالمنظومة الدولية، بما فيها بيوتات السلام ومراكز الوساطة، تخصّص دعماً مالياً ولوجستياً لكل دعاة السلام وتسوية النزاعات وفق أجندة معلنة تخدم السلم العالمي والتحول المدني الديمقراطي، وتحد من تمدد الأيديولوجيات التي تنصّب نفسها وصية على المجتمعات من دون تفويض انتخابي أو شرعية شعبية. وها هم دعاة الحرب أنفسهم ينخرطون في هذا المسار من غير أن يستشعروا التناقض الأخلاقي في خطابهم السابق. واعتراضهم المعلن على الجهة المنظمة لم يكن موقفاً مبدئياً بقدر ما كان مناورة لامتصاص الغضب العام، سرعان ما انهارت أمام إدراكهم أن الغياب أخطر من الحضور، وأن من يتخلف عن هذه المنصات يُعاد تعريفه في التقارير الدولية بوصفه طرفاً متشدداً خارج سياق الزمن السياسي. هكذا عادوا إلى الورشة، في مفارقة تفضح مأزق الإسلاميين بين خطاب سيادي في العلن وبراغماتية قسرية في الواقع.

ثانياً، تكشف هذه المشاركة هشاشة حججهم ضد ثورة ديسمبر، التي خرجت بالأساس والمنتهى مطالبة بالحرية والعدالة والدولة المدنية والتحول الديمقراطي. فالثورة، في جوهرها، عامل استقرار بعيد المدى، حتى إن حمل مخاض التحول الآني كلفة سياسية واجتماعية. ما جرى في كوالالمبور يؤكد أن الأجندة الدولية التي تحرّك هذه الورش هي ذاتها المطالب التي رفعتها الثورة، وأن مشاركة الإسلاميين بواجهات تتدثّر بعباءة المدنية ليست سوى محاولة للتخفف من حمولة الإرث الإسلامي المثقل بانتهاكات جسيمة في حق السودان وأهله.

ثالثاً، أخفق المشاركون في تحميل الاتفاق الإطاري تبعات الحرب، وهو اجتهاد لا يستقيم منطقياً ولا سياسياً، إذ جاء الاتفاق في الأصل لمعالجة معضلة السلاح خارج المنظومة العسكرية للدولة، وهي المعضلة التي شرع لها الإسلاميون أنفسهم خلال سنوات حكمهم، قبل أن ينتهي هذا المسار إلى الحرب العبثية الراهنة.

أخيراً، تبدو الدعوة إلى استمرار الحرب حتى هزيمة أحد أطرافها، في ظل تساقط المدن وحصارها، وتداعيات استخدام الجيش وحلفائه من كتائب الإسلاميين لأسلحة محرّمة دولياً، دعوة فاقدة للحكمة والرشد. هذه الدعوة مرشحة لأن تتحول إلى الحبل الذي تخنق به واجهات المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية نفسها، في محاولتها العودة إلى المشهد بزينة مدنية جديدة لن تنطلي على السودانيين، ولا على الإقليم، ولا على المجتمع الدولي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.