حين يتحوّل الخطاب إلى سلاح… حملات التحريض المصرية ضد اللاجئين السودانيين

نورا عثمان

لم يعد التضييق على اللاجئين السودانيين في مصر مقتصرًا على الإجراءات أو الممارسات الإدارية فحسب، بل تجاوز ذلك إلى مستوى أخطر: خطاب تحريضي يتسلل إلى بعض المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، ويعمل على إعادة تعريف اللاجئ بوصفه تهديدًا لا ضحية، ومشكلة لا إنسانًا هاربًا من حرب.
هذه الحملات لا تنشأ في فراغ. فهي تُبنى على مناخ عام مثقل بالأزمات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية، وتجد في اللاجئ السوداني هدفًا سهلًا لتفريغ الغضب العام. تُضخّم أرقام وجوده، وتُلصق به تهمًا جماعية، وتُحمّله مسؤولية أزمات لم يكن طرفًا في صنعها. هكذا يتحول الخطاب من نقاش مشروع حول السياسات العامة إلى وصم جماعي يشرعن الإقصاء ويبرر القسوة.
الأخطر في هذه الحملات أنها لا تكتفي بالتحريض الرمزي، بل تُنتج آثارًا ملموسة على الأرض. حين يُقدَّم اللاجئ في صورة “الخطر”، يصبح التضييق عليه مقبولًا، وتغدو الانتهاكات بحقه مبرَّرة، ويصير الصمت عنها خيارًا مريحًا. في هذا المناخ، تتراجع الحساسية الإنسانية، ويُختزل اللاجئ في كونه عبئًا أمنيًا أو اقتصاديًا، لا صاحب حق في الحماية والكرامة.
السودانيون في مصر ليسوا طارئين على المكان ولا غرباء عن التاريخ. هم شعبٌ دفعته الحرب إلى العبور القسري، لا إلى الهجرة الاختيارية. ومع ذلك، تُدار بعض الحملات وكأنهم اختاروا اللجوء ترفًا، أو جاؤوا بمشروع منافسة وعداء. هذا التشويه المتعمّد يتجاهل حقيقة أن اللاجئ السوداني يعيش في الهشاشة ذاتها، يعمل في الظل، ويدفع كلفة مضاعفة للغربة والخوف.
إن خطورة التحريض لا تكمن فقط في لغته، بل في تطبيعه. حين يتكرر الخطاب، يتحول إلى “رأي عام”، وحين يصير رأيًا عامًا، يصبح أساسًا للسياسات. وهنا تحديدًا تكمن المسؤولية الأخلاقية للإعلام والنخب: إما أن يكونوا جسرًا للفهم، أو وقودًا للاحتقان.
لا يعني نقد حملات التحريض إنكار تحديات الدولة المستضيفة، ولا تجاهل حقها في التنظيم والسيادة. لكنه يعني رفض تحويل الإنسان إلى كبش فداء، ورفض استخدام الضعف ذريعة للتجريد من الحقوق. فالدول تُقاس في لحظات الضغط لا في أوقات الرخاء، ويُختبر معدنها الأخلاقي حين تواجه الأضعف لا الأقوى.
ما يحتاجه المشهد اليوم ليس مزيدًا من التحريض، بل خطابًا مسؤولًا يعترف بالواقع دون شيطنته، ويبحث عن حلول تشاركية بدل تغذية الكراهية. فحين يُستهدف اللاجئ اليوم بالكلمة، قد يُستهدف غدًا بالفعل. والتاريخ علّمنا أن التحريض، متى أُطلق، نادرًا ما يبقى بلا ثمن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.