قال رئيس الوزراء السوداني الأسبق عبدالله حمدوك إن جولته الأوروبية الحالية تهدف إلى حشد التأييد الدولي لإنهاء الحرب وتحقيق السلام في السودان، موضحًا أن وجوده في هولندا، عقب زيارة فرنسا، يأتي ضمن جولة تشمل خمس دول هي فرنسا، وهولندا، والنرويج، وألمانيا، وتُختتم بالمملكة المتحدة.
وأوضح حمدوك، في مقابلة مع راديو دبنقا، أن الهدف من الجولة هو نقل الصورة الحقيقية لحجم الأزمة السودانية إلى المجتمع الدولي، في وقت بات فيه السودان جزءًا مما وصفه بـ«الصراعات المنسية»، رغم أنه يشهد حاليًا أكبر أزمة إنسانية في العالم، متجاوزة في آثارها أزمات أخرى تحظى باهتمام إعلامي وسياسي أوسع.
وأضاف أن تحركاته الخارجية جاءت استجابة لمعاناة ملايين السودانيين المتأثرين بالحرب، من نازحين ولاجئين وفاقدين للمأوى والغذاء والمياه والتعليم والخدمات الصحية، مشيرًا إلى أن تراجع إمكانات الاستجابة الدولية مقارنة بالسنوات الماضية يفرض بذل جهود مضاعفة للتواصل مع أكبر عدد ممكن من الفاعلين الدوليين.
وأشار إلى أن لقاءاته في أوروبا شملت مسؤولين حكوميين، ومراكز بحث، ومؤسسات معنية بتشكيل الرأي العام، ووسائل إعلام، ومنظمات مجتمع مدني، مؤكدًا أن المدخل الأساسي في جميع هذه اللقاءات هو معاناة المواطن السوداني، بهدف حشد الدعم للمدنيين المتضررين وإبقاء الأزمة السودانية حاضرة في الوعي الدولي.
وفي رده على تساؤلات بشأن قدرة القوى المدنية على إيقاف الحرب في ظل غياب السلاح، قال حمدوك إن هذه القوى تمثل الغالبية العظمى من الشعب السوداني، وإنها وإن كانت لا تملك البنادق، فإنها تملك قوة الشارع والإرادة الشعبية، واصفًا ذلك بأنه «سلاح مجرّب» أسقط أنظمة ديكتاتورية في أعوام 1964 و1985 و2019، ومؤكدًا أن توحّد السودانيين وصوتهم العالي مكنهم تاريخياً من إحداث تحولات كبرى.
وأوضح أن تحالف «صمود» طرح رؤية لحل الأزمة تقوم على ثلاثة مسارات متكاملة، تشمل وقف إطلاق النار باعتباره شرطًا أساسيًا لأي تقدم، والمسار الإنساني الذي يضع الإنسان في صدارة الأولويات، إلى جانب المسار السياسي، الذي اقترح له التحالف آلية «المائدة المستديرة».
وبيّن أن هذه الآلية تقوم على الاستعداد للجلوس مع مختلف القوى المدنية، بما في ذلك تحالف «تأسيس» والكتلة الديمقراطية، وقوى أخرى خارج هذه الأطر، مثل عبد الواحد محمد نور، وحزب البعث، والمؤتمر الشعبي، بهدف تشكيل لجنة تحضيرية تمثل هذه الأطراف، تتولى ترتيب أجندة مؤتمر حوار سوداني شامل، والاتفاق على قضاياه، وصياغة مسودة سلام، والتوافق على شكل وتركيبة المرحلة الانتقالية، تمهيدًا لعقد مؤتمر يُجاز فيه ذلك ويمضي بالبلاد نحو مسار الانتقال.
وأقر حمدوك بأن القوى المدنية تعاني حاليًا من حالة تشتت وانقسام أضعفت حضورها، لكنه شدد على أن المطلوب ليس وحدة كاملة، وإنما تنسيق واسع أو «وحدة معقولة» حول قضايا أساسية، معتبرًا أن هذا الأمر ممكن التحقيق وله سوابق في التاريخ السياسي السوداني.
وأشار إلى أن هذا التنسيق من شأنه خلق صوت مدني قوي قادر على الضغط على طرفي النزاع، لافتًا إلى بوادر إيجابية بدأت في الظهور، من بينها إعلان نيروبي الذي جمع تحالف «صمود» مع حركة عبد الواحد محمد نور وحزب البعث والمؤتمر الشعبي، إلى جانب ميثاق القاهرة، واعتبر هذه الخطوات بداية مشجعة في اتجاه توحيد الصف المدني.
وحذر حمدوك من أن السودان يواجه أزمة وجودية حقيقية، مؤكدًا أن استمرار الخلافات قد يقود إلى ضياع الدولة نفسها، وداعياً السودانيين إلى الاتفاق على القواسم المشتركة لإنقاذ البلاد، وتأجيل التنافس السياسي إلى مرحلة لاحقة.
وأكد أن الاستثناء الوحيد من مبدأ الانفتاح السياسي يظل مرتبطًا بالقوى التي قال إنها «خرّبت البلاد»، في إشارة إلى المؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية المرتبطة به، مشددًا على أن الهدف هو الانتقال من دولة الحزب إلى دولة الوطن التي تتسع للجميع.
وأضاف أن السودان بلد ذو أغلبية مسلمة، ولا يوجد أي تهديد للإسلام، موضحًا أن القوى المدنية تعمل مع فصائل داخل التيار الإسلامي، وعلى رأسها المؤتمر الشعبي، الذي قال إنه اتخذ موقفاً واضحًا ضد الانقلابات ودعم الحكم المدني.
وفي ما يتعلق بدور المجتمع الدولي، شدد حمدوك على أنه لا يمكن ترتيب أوضاع السودان بمعزل عن الإرادة السودانية، معتبراً أن أي مبادرة لا تستند إلى رؤية السودانيين لا جدوى منها، وأن دور الإقليم والمجتمع الدولي يجب أن يقتصر على الدعم والمساندة.
وتطرق إلى الانقسامات الاجتماعية العميقة التي خلفتها الحرب، مشيرًا إلى أن جذورها تعود إلى تاريخ طويل من التهميش وسوء إدارة التنوع، وقال إن السودان يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة بناء الدولة على أسس جديدة عبر عقد اجتماعي جديد، أو الاستمرار في مسار الفشل الذي لازم الدولة منذ الاستقلال.
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين المدنيين والعسكريين، أقر حمدوك بأنه كان من المدافعين سابقاً عن الشراكة، لكنه أكد أن التجربة أثبتت فشل هذا الرهان، وأنه لا مبرر لتكراره، مشددًا على ضرورة تحديد دور مهني ومحدد للمؤسسات الأمنية يبعدها عن السياسة والاقتصاد.
ودعا حمدوك السودانيين إلى التوحد من أجل إنهاء الحرب، مؤكداً أن أعظم إنجازات البلاد تحققت بالوحدة، من الاستقلال إلى الانتفاضات والثورات، وأن الوقت قد حان لوقف معاناة الملايين ووضع حد للحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.