تُعدّ عملية “التغريب” واحدة من أخطر الأدوات الرمزية التي استُخدمت تاريخيًا لتجريد الجماعات المُهمَّشة من حقوقها، عبر تصويرها بوصفها “وافدة” أو “غير أصيلة” في الوطن، تمهيدًا لتبرير إقصائها من الأرض، والخدمات، والتمثيل السياسي، والحماية القانونية. وفي السياق السوداني، جرى توظيف هذا المنطق بصورة ممنهجة ضد أبناء الكنابي، من خلال ربطهم قسرًا بسردية “الأصول الأجنبية”، ولا سيما غرب أفريقيا، وكأن الانتماء الأفريقي ذاته تحوّل إلى ذريعة لإسقاط المواطنة.
لا يستند هذا الخطاب إلى معطيات تاريخية موثوقة أو دراسات اجتماعية رصينة، بل إلى بناء أيديولوجي للهوية يهدف إلى إنتاج “آخر داخلي” يُجرَّد من الشرعية الاجتماعية أولًا، ثم من الحقوق الاقتصادية والسياسية لاحقًا. فحين يُقدَّم سكان الكنابي بوصفهم غرباء، يصبح تهجيرهم مقبولًا، وحرمانهم من الأرض مبرَّرًا، والعنف ضدهم قابلًا للتطبيع، وهو ما تجلّى بوضوح في سياقات الصراع المسلح والحرب الجارية حيث تحوّلوا إلى أهداف سهلة لانتهاكات قائمة على الهوية.
ويعمل التغريب هنا كإحدى أدوات الاستعمار الداخلي، حيث تُعاد داخل الدولة الوطنية آليات السيطرة الاستعمارية ذاتها: تصنيف السكان، وترتيبهم ضمن هرم عرقي غير مُعلن، ومنح الامتيازات لفئات بعينها على حساب أخرى. وهي السياسة نفسها التي اعتمدتها القوى الاستعمارية الأوروبية في أفريقيا لضمان الهيمنة عبر التفريق والتراتبية الاجتماعية.
الأخطر أن هذا المنطق لا يظل حبيس الخطاب الإعلامي أو الشعبي، بل يتسرّب إلى السياسات غير المعلنة، في:
توزيع الأراضي وحقوق السكن
الوصول إلى الخدمات الأساسية
طبيعة الاستجابة الأمنية للعنف
الاعتراف القانوني بالمجتمعات المهمشة
وبذلك يتحوّل أبناء الكنابي من مواطنين كاملي الحقوق إلى “سكان مشروطين”، يُطالَبون دومًا بإثبات انتمائهم بدل التمتّع بحقوقهم الطبيعية.
إن ربط الكنابي بسردية “الوافد” ليس توصيفًا بريئًا للأصول، بل أداة سياسية لنزع الشرعية، تمامًا كما استُخدمت مفاهيم العرق والأصل تاريخيًا لتهميش جماعات أفريقية عديدة. وفي سياقات العنف الممنهج، يندرج هذا السلوك ضمن أنماط الاضطهاد القائم على الهوية، وقد يرقى إلى جرائم اجتماعية جسيمة وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وفي مواجهة هذا الخطاب الإقصائي، تبرز الحقيقة الجوهرية:
أبناء الكنابي ليسوا طارئين على السودان، بل يشكّلون جزءًا أصيلًا من بنيته الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية، شاركوا في بناء مشاريعه الزراعية الكبرى — وعلى رأسها مشروع الجزيرة — وأسهموا بعرقهم ودمائهم في تشكّل الدولة السودانية الحديثة، ويتمتعون بحكم المواطنة والوجود التاريخي بحقوق غير قابلة للتصرف.
أسطورة “الأصل الأجنبي” وتناقض الخطاب العنصري
يُروَّج أحيانًا — بقصد الوصم والإقصاء — أن سكان الكنابي تعود جذورهم إلى غرب أفريقيا، وكأن في ذلك نقيصة أو دليلًا على “عدم الانتماء”. غير أن الحقيقة التاريخية والأنثروبولوجية تُفنّد هذا الادعاء بالكامل. فحركة الشعوب داخل القارة الأفريقية سبقت الاستعمار بقرون طويلة، وكانت جزءًا طبيعيًا من التفاعل الإنساني في فضاءات مفتوحة لم تكن تعرف الحدود المصطنعة التي رسمتها القوى الاستعمارية في أواخر القرن التاسع عشر.
لقد شكّلت طرق التجارة العابرة للصحراء، والتنقلات الموسمية المرتبطة بالزراعة، والهجرات الناتجة عن الصراعات، نسيجًا أفريقيًا متداخلًا يستحيل اختزاله في خرائط استعمارية حديثة. وبالتالي فإن التنقل داخل أفريقيا لا يُنقص من الانتماء، بل يعكس وحدة تاريخية للقارة.
والمفارقة الصارخة في الخطاب العنصري أن بعض من يهاجمون أبناء الكنابي بدعوى “الأصل الأفريقي” يفاخرون في المقابل بانحدارهم من شخصيات جاءت من خارج القارة أصلًا، مثل العباس بن عبد المطلب، أو الزبير بن العوام، أو جعفر الطيار — وهي رموز عربية من شبه الجزيرة العربية.
وهنا يبرز السؤال الكاشف للتناقض:
من الأَولى بالانتماء إلى السودان وأفريقيا؟
أبناء القارة الذين تحركوا داخل فضائها الطبيعي عبر القرون؟
أم من يفاخر بأصول وافدة من خارج أفريقيا ثم يحوّلها إلى أداة تفاضل واستعلاء؟
إن هذا المنطق لا يستند إلى التاريخ ولا إلى علم الاجتماع، بل إلى عنصرية مُقنّعة تبحث عن “نقاء متخيَّل” لتبرير الإقصاء والهيمنة.
وسكان الكنابي — سواء تعود بعض جذورهم إلى غرب أفريقيا أو إلى مناطق سودانية متعددة — هم جزء أصيل من التكوين الأفريقي للسودان القديم والحديث، ساهموا في الاقتصاد الزراعي، وشارك أسلافهم في مقاومة الحكم التركي-المصري والاستعمار البريطاني، وكانوا من أعمدة المجتمع المنتج في الدولة السودانية المعاصرة.
الختام
إن معركة “الأصول” في السودان ليست نقاشًا علميًا بريئًا، بل أداة سياسية لإنتاج مواطنين من درجات متفاوتة، وهي الآلية ذاتها التي استخدمها الاستعمار لإدارة المجتمعات عبر التفريق العرقي والاجتماعي.
ومن ثمّ، فإن تفكيك خطاب التغريب ليس مسألة لغوية أو ثقافية فحسب، بل خطوة جوهرية في مسار العدالة الاجتماعية، وإعادة تعريف المواطنة السودانية على أساس الحقوق المتساوية، لا الأنساب المتخيَّلة ولا الهويات المصنوعة لخدمة الإقصاء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.