الفجوة !!

أطياف - صباح محمد الحسن

طيف أول:
الكذب قد يربح جولة، لكن الحقيقة تربح الطريق كله!
وقبل عامين انسحب السودان من منظمة “إيغاد” واتهمها بأنها متواطئة مع الدعم السريع بعد أن قدّمت المنظمة دعوة لقيادات منه للمشاركة في اجتماعاتها، واتهمها بعدم الحياد.
وبالأمس قالت وزارة الخارجية السودانية، بعد أن أكدت أنها تؤمن بأن التعاون الإقليمي يعتبر الأساس الذي ترتكز عليه آفاق التعاون الدولي، وهو ما يعني أن السودان أدرك بعد عامين أهمية دور المنظمة في الإقليم، وأقرّ بضرورة التعاون الدولي!!.
لكن ليس الغريب عودة حكومة السودان إلى مقعدها الذي غادرته (حردانة) ثم عادت إليه بعد أن تراجعت، وتقدّم رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس بطلب للمنظمة بأن حكومته ترغب في العودة.
الملفت في الأمر أن وزارة الخارجية السودانية قالت في بيانها الرسمي ما يلي:
“أعربت منظمة الايغاد عن التزامها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، وفي مقدمتها اعترافها الكامل بسيادة السودان، ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.”
وهو ما يعني ـ بحسب الخارجية ـ أن المنظمة أدركت خطأها وتراجعت وعادت معتذرة.
لكن دعونا نقرأ ماذا قالت “إيغاد” في بيانها :
“ترحّب الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) بقرار جمهورية السودان استئناف مشاركتها الكاملة في المنظمة.
ووصف الأمين التنفيذي لإيغاد، سعادة الدكتور ورقنه جبيهو، عودة السودان بأنها تأكيد جديد على التضامن الإقليمي والالتزام الجماعي بالسلام والاستقرار والتعاون في المنطقة.
وأشار إلى أن السودان، بوصفه دولة عضوًا مؤسسة، فإن تجديد مشاركته يعزّز وحدة إيغاد ويقوّي قدرتها على معالجة الأولويات الإقليمية المشتركة.
وأعرب الأمين التنفيذي عن بالغ تقديره لفخامة الرئيس إسماعيل عمر جيلي، رئيس جمهورية جيبوتي ورئيس إيغاد، على قيادته ومساهمته البنّاءة في توجيه هذه العملية، كما أشاد بالتزامه الراسخ بالحوار وبناء التوافق لتعزيز التماسك الإقليمي.
وأكدت الأمانة استعدادها للعمل بشكل وثيق مع جمهورية السودان من أجل دفع الجهود الرامية إلى تحقيق حل سلمي للتحديات الراهنة، ودعم مستقبل آمن ومزدهر للشعب السوداني وللمنطقة بأسرها.”انتهى.
ولم أجد عبارة واحدة تتحدث فيها المنظمة عن أنها أخطأت في حق الحكومة، ولم أقرأ في نص البيان ـ الذي أضعه أمام القارئ ـ كلمة تتعهد فيها منظمة “إيغاد” بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للسودان أو الدول الأعضاء.
ولو قالت ذلك لكان أخطر تصريح لها، لأنه يؤكد فعليًا أنها كانت تتدخل في الشأن الداخلي للدول الأعضاء.
كما انني لم أجد أيضًا في البيان جملة تعبّر فيها المنظمة عن اعترافها بحكومة بورتسودان؛ فسيادة الوطن لا تعني سيادة الحكومة، وحتى سيادة السودان لم تذكرها المنظمة في بيانها.
وفوق ذلك، لم تقل المنظمة إنها تحترم سلامة مؤسسات الدولة السودانية!
ما يعني أنها تجنّبت تمامًا النقاط التي قالتها الحكومة على لسان الخارجية، والتي أعلنت أنها حصلت عليها أو انتزعتها من المنظمة.
فـ”إيغاد” بهذا تريد أن تؤكد أنها لم تقدّم أي تنازلات لأي دولة عضو.
بل استخدمت المنظمة لغة عامة وفضفاضة مثل: التضامن، الاستقرار، التعاون، وهي عبارات تضمن لها البقاء في دائرة قناعاتها القديمة، طالما أنها لم تُشر إلى أي التزامات جديدة تجاه الحكومة.
ألم أحدثكم من قبل عن “خيانة النص” في بيانات الحكومة؟
إنها دائمًا ما تصيغ عباراتها حسب حاجتها وتعطّشها للأمان؛ فشعورها بفقد الحضن الدولي يجعلها كيتيم صغير، كلما ضمّته امرأة ظنّها أمه!
و الفجوة بين البيانين تكشف أن التفاهم كان شفهيًا وغير معلن، وأن كل طرف كتب بيانه بما يعبر عن رؤيته.
وهذا يعني أن العلاقة بين الطرفين ما زالت هشّة، وأن الخلافات الجوهرية لم تُحل بالكامل، بل تم “تجميدها” مؤقتًا.
وما أعلنته المنظمة أشبه ببيان علي يوسف رئيس الاتحاد، الذي اعترف بشرعية كامل إدريس لأسبوع ثم عاد وسحبها.
فالخارجية السودانية خاطبت شعبها زورًا، وصوّرت له أنها استعادت مكانتها بعد أن أجبرت المنظمة على الاعتراف بالسيادة وعدم التدخل، ووضعت ذلك شرطًا وسببًا مباشرًا للعودة، وهذا لم يحدث!
ألم يكفِ ما قالته “إيغاد” في فاتحة بيانها:
“ترحّب الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) بقرار جمهورية السودان استئناف مشاركتها الكاملة في المنظمة.”
قرار جمهورية السودان، وليس قرار “إيغاد”، ولا اعترافها، ولا اعتذارها… ولا يحزنون!
طيف أخير:
#لا_للحرب
وللذِّكر: جيبوتي التي ينتمي إليها علي يوسف رئيس الاتحاد، الذي منح الحكومة شرعية لمدة أسبوع ثم نزعها، هي نفسها التي ينتمي إليها رئيس “إيغاد” الآن.
وهي جيبوتي نفسها التي تبرّع لها البشير المخلوع ببناء مستشفى كامل بملايين الدولارات، في الوقت الذي كان يحتاج فيه هو أيضًا إلى دعم إقليمي!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.