السودانيون في مصر بين مطرقة الترحيل القسري وسندان «الوجوه الغريبة»

​بقلم: نفيسة حجر

​في الوقت الذي كانت فيه القاهرة تُعد الملاذ الآمن لمئات الآلاف من السودانيين الفارين من جحيم الحرب، نراقب اليوم ببالغ القلق تحولاً دراماتيكياً في المشهد مع مطلع عام 2026. لم تعد «البطاقة الصفراء» ولا حتى “الزرقاء” درعاً واقياً من الترحيل، وسط تصاعد حملات أمنية مكثفة نرى أنها تتجاوز تطبيق القانون لتصل إلى حد المطاردة الممنهجة للهوية وتصفية الحسابات السياسية… هنالك ​تماهي في الأدوار فالقاهرة تُكمل ما بدأته “حكومة بورتسودان ويتضح ذلك “​من خلال متابعتنا الميدانية والقانونية، نؤكد أن السلطات المصرية لم تكتفِ باستنساخ روح ما عُرف بـ “قانون الوجوه الغريبة”، بل باتت تلعب دوراً مكملاً وواضحاً لمساندة حكومة بورتسودان؛ فمصر التي تدعم الجيش السوداني وتقاتل معه “خلف الكواليس”، يبدو أنها استلمت زمام المبادرة لتنفيذ ذات السياسات الأمنية على أراضيها. إن ما يحدث اليوم في القاهرة والإسكندرية هو استكمال مباشر لحملات الاعتقال والاشتباه التي بدأت في مناطق سيطرة الجيش بالسودان حيث تنوب الأجهزة الأمنية المصرية عن أجهزة حكومة بورتسودان في ملاحقة وتضييق الخناق على السودانيين، وتحويل ملف اللجوء الإنساني إلى ملف أمني وعسكري بامتياز.
​وما يعزز هذا الطرح هو التصريحات الصادمة للمحللة أماني الطويل، المقربة من دوائر صنع القرار المصري، والتي كشفت صراحة عن وجود “طلب رسمي من حكومة بورتسودان للسلطات المصرية بالتضييق على السودانيين لدفعهم للعودة إلى السودان”.
هذا الكشف يضعنا أمام واقع لا يمكن تجميله، حيث يتم استخدام اللاجئين كأدوات للضغط السياسي وإجبارهم على العودة لمناطق النزاع والقهر لخدمة أجندة عسكرية واضحة.
​أرقام صادمة وتجاوز للحصانة القانونية حيث ​تشير تقارير صادرة عن منظمات حقوقية مصرية إلى رقم مهول يعكس حجم المأساة، حيث تم ترحيل أكثر من 43 ألف سوداني قسراً إلى السودان خلال الفترة الماضية. والأمر لم يعد يقتصر على مخالفات إدارية، بل طال أصحاب “البطاقة الزرقاء” المسجلين دولياً كلاجئين، بل ووصل الأمر لترحيل زميلة “محامية” تحمل إقامة قانونية سارية، في سابقة تهدر حصانة المهنة وتضرب بعرض الحائط قيم القانون الدولي والاتفاقيات التي وقعت عليها الدولة المصرية.
​التمييز اللوني والملاحقة في “الملاذات الأخيرة”
​إن الدليل القاطع على أن المعيار أصبح “لونياً وعرقيياً” هو وقوع طلاب نيجيريين ضحية لهذه الحملات لمجرد ملامحهم السمراء. لقد رصدنا “حملات شرسة” في الإسكندرية طالت المنازل، ولم تستثنِ حتى المرضى في المستشفيات ومرافقيهم. ويصاحب ذلك حالات اختفاء غامضة لعشرات الشباب الذين يُحتجزون لشهور فيما يمكن وصفه بـ “المقصلة البيروقراطية”؛ حيث يقضي المحتجز أكثر من 60 يوماً بين النيابة ودهاليز الأمن الوطني قبل ترحيله، في محاولة لاستنزافهم نفسياً ومعلوماتياً قبل قذفهم نحو الحدود.
​ختاماً..
إننا أمام مشهد يتجاوز تنظيم الإقامة إلى “تسييس ملف اللجوء” وتوظيفه لصالح طرف عسكري. فبينما تدعم مصر الجيش السوداني وحكومة بورتسودان، فإنها تنفذ على أراضيها حملة تطهير أمني تستهدف السودانيين بناءً على “الوجوه” والاشتباه العرقي. إنني، من موقعي القانوني، أدعو السلطات المصرية للتوقف عن ممارسة دور الذراع الأمني لأي طرف سوداني، وأطالب المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لمواجهة واقع ترحيل الـ 43 ألفاً الذين أُجبروا سلفاً على العودة، وحماية من تبقى من مقصلة “التضييق المتعمد” التي كشفت عنها أبواق النظام نفسه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.