تغيّر طبيعة الحرب في السودان… (البراؤون وكيكل) حين يتصارع الحلفاء

نورا عثمان

لم تعد الحرب في السودان كما بدأت. في أيامها الأولى بدت مواجهة صريحة بين الجيش و«الدعم السريع»، لكن المشهد اليوم أكثر تعقيداً وأشد قتامة. نحن أمام حرب تتآكل من داخلها، حيث تتصاعد صراعات خفية وعلنية بين فصائل محسوبة على المعسكر ذاته، وعلى رأسها كتائب الإسلاميين مثل «البراء» ومليشيا «كيكل». هنا يتبدّى التحول الأخطر: حين ينتقل التنافس من خطوط التماس إلى داخل البيت الواحد.
في تقديري، ما يجري ليس مجرد احتكاكات ميدانية عابرة، بل انعكاس لصراع أعمق على النفوذ والشرعية داخل معسكر الجيش. كتائب «البراء» تمثل امتداداً لتيار إسلامي يسعى إلى إعادة تثبيت حضوره عبر البوابة العسكرية، مستفيداً من حالة التعبئة والحرب المفتوحة. خطابها عقائدي، تعبوي، ويستدعي سرديات الماضي حول «الدفاع عن الدولة» و«المعركة المصيرية». في المقابل، تبدو مليشيا «كيكل» أقرب إلى نموذج القوة المحلية البراغماتية؛ تتحرك وفق حسابات السيطرة على الأرض والمصالح المباشرة، أكثر من تحركها بدافع أيديولوجي واضح.
هذا التباين في المرجعيات يخلق احتكاكاً حتمياً. فمن يقود الميدان؟ ومن يدير المناطق الواقعة تحت السيطرة؟ ومن يحتكر تمثيل «المعركة» سياسياً وإعلامياً؟ أسئلة كهذه لا تُطرح في العلن كثيراً، لكنها تتجسد في خلافات حول نقاط التفتيش، وإدارة الموارد، وسلسلة القيادة، وحتى في الخطاب الإعلامي.
الخطر هنا مزدوج. أولاً، لأن تعدد مراكز القوة يضعف الجبهة العسكرية نفسها، ويجعلها أقل تماسكا في مواجهة خصمها. وثانياً، لأن عسكرة التيار الأيديولوجي تعيد إنتاج نموذج المليشيات العقائدية، وهو نموذج دفع السودان ثمناً باهظاً له في مراحل سابقة من تاريخه. إن أي محاولة لتحويل الحرب إلى منصة لإعادة تمكين سياسي، ستعني ببساطة إطالة أمد الصراع وتعقيد مسارات الحل.
الأدهى أن هذا التشظي يحدث بينما البلاد غارقة في كارثة إنسانية غير مسبوقة. ملايين النازحين، اقتصاد منهار، ومؤسسات دولة تتآكل يوماً بعد يوم. في مثل هذا السياق، يصبح الصراع بين «البراء» و«كيكل» – أو غيرهما – ترفاً دموياً لا يملكه السودان.
برأيي، تغيّر طبيعة الحرب يكشف حقيقة مُرّة: لم تعد المسألة صراعاً على من يحكم فحسب، بل على شكل الدولة نفسها. هل ستخرج البلاد من هذه الحرب بدولة مركزية تحتكر السلاح؟ أم بفسيفساء من القوى المسلحة المتنافسة، لكل منها روايته ورايته ومصالحه؟
الجواب لم يتضح بعد. لكن المؤكد أن أي نهاية للحرب لن تكون مستقرة ما لم تُحسم مسألة تعدد المليشيات، ويُعاد تعريف العلاقة بين السياسة والسلاح. فالحروب قد تبدأ بطلقة، لكنها كثيراً ما تطول بسبب صراعات الحلفاء قبل الأعداء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.