في السودان اليوم، لا يتساقط الناس برصاص البنادق وحده، بل بثقل مشروعٍ سياسيٍّ يرفض الاعتراف بنهايته. مدن كاملة تحوّلت إلى خرائب، قرى أُفرغت من أهلها، وأسرٌ افترشت حدود الدول المجاورة تبحث عن مأوى لا يحمل رائحة البارود. الملايين بين لاجئ ونازح، يتكدّسون في المعسكرات، يحملون معهم ما تبقى من وطنٍ كان يومًا يتنفس على ضفاف النيل، فإذا به يختنق تحت سطوة السلاح.
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني قوات الدعم السريع، لم يكن الصراع عسكريًا صرفًا، بل بدأ معركة على شكل الدولة وهوية السلطة. وفي الخلفية، تتردّد اتهامات للحركة الإسلامية، الجناح السياسي التاريخي المرتبط بتنظيم الإخوان المسلمين، بالسعي لإعادة تمكين نفسها عبر بوابة الحرب، مستثمرةً الفوضى لإعادة ترتيب النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
السؤال الذي يتردد في الشارع السوداني، وفي مخيمات النزوح الممتدة من تشاد إلى مصر، ومن جنوب السودان إلى إثيوبيا، وشرق أفريقيا، ليس فقط: من انتصر عسكريًا؟ بل: من يدفع الثمن؟. الثمن واضح في عيون الأطفال الذين فقدوا مدارسهم، وفي وجوه الأمهات اللواتي يحملن ذاكرة بيوتٍ لم يعد لها أثر. الثمن يُقاس بأرقام النزوح، وبانهيار المستشفيات، وبانقطاع الكهرباء والماء، وباقتصادٍ صار جسدًا بلا روح.
في معسكرات النزوح، لا أحد يتحدث عن الشعارات الكبرى، وأوهام (الكرامة). الناس هناك يتحدثون عن الطعام، عن الدواء، عن الخوف من الغد. يتساءلون: لماذا يُراد للسودان أن يبقى ساحة حربٍ مفتوحة؟ ولماذا تُستعاد لغة “التمكين” في زمنٍ يئن فيه الوطن تحت أنقاضه؟
إن أخطر ما في المشهد ليس فقط استمرار القتال، بل تحوّله إلى وسيلة لإعادة هندسة السلطة. فالحروب، حين تُدار بعقلية الثأر السياسي، لا تُبقي دولة ولا تُقيم مشروعًا. أوهام تيارات الإسلام السياسي والتي تسعى للعودة عبر ألسنة البنادق، يجب أن تضع في الاعتبار أن الثمن لن يكون سياسيًا فحسب، بل وجوديًا: تفكك اجتماعي، شرخ عميق في النسيج الوطني، وأجيال تنمو على ذاكرة العنف بدل الأمل.
التاريخ السوداني ليس خاليًا من الصراعات، لكنه كان دائمًا يحتفظ بخيطٍ رفيعٍ من الحكمة الشعبية، تلك التي تقول إن الوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكومات. أما اليوم، فإن ذلك الخيط يتآكل. تتبدد الثقة، ويترسخ شعور بأن الحرب لم تعد وسيلة دفاع عن الدولة، بل صراعًا على من يحتكرها.
فهل يسعى الإسلاميون إلى إعادة تشكيل السودان ولو على أنقاضه؟ أم أن الجميع بات أسير معادلة صفرية لا ترى في الوطن سوى غنيمة؟ ما يحدث الآن ليس مجرد صراع سياسي؛ إنه اختبار أخلاقي. اختبار لمدى استعداد القوى المتصارعة للاعتراف بأن السلطة بلا شعبٍ ليست إلا فراغًا، وأن دولة بلا مواطنيها ليست سوى خريطة مهجورة.
السودان اليوم يقف على حافة سؤالٍ مصيري: هل يُكتب له أن ينهض من تحت الرماد، أم يُترك ليستكمل انحداره في دوامة صراعٍ لا يرحم؟ الإجابة ليست في فوهة بندقية، بل في إرادة سياسية تُدرك أن بقاء الوطن أهم من عودة أي تنظيم، وأن كرامة الإنسان السوداني أغلى من كل مشاريع السيطرة… و(السلام سمح)..
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.