منذ اندلاع الحرب في السودان، ظل ملايين السودانيين يرفعون مطلباً بسيطاً وواضحاً: وقف القتال والجلوس إلى طاولة الحوار لإنقاذ ما تبقى من الوطن. فالحرب التي دخلت عامها الرابع لم تنتج سوى المزيد من القتلى والنازحين والدمار والانهيار الاقتصادي، بينما تراجعت فرص الحياة الكريمة لملايين المواطنين الذين أصبحوا يدفعون ثمن الصراع من أمنهم ومعيشتهم ومستقبل أبنائهم.
وفي خضم هذه المأساة، برز جدل سياسي واسع حول مواقف القوى المختلفة من جهود السلام والتسوية. ويرى كثير من المنتقدين للحركة الإسلامية السودانية أن التيار الإسلامي ظل من أكثر القوى السياسية تشدداً تجاه المبادرات التي تدعو إلى إنهاء الحرب عبر الحلول السياسية، مفضلاً استمرار المواجهة العسكرية على حساب فرص التوافق الوطني.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى مواقف وتصريحات صدرت عن شخصيات وقوى محسوبة على التيار الإسلامي، أكدت في مناسبات مختلفة تمسكها بخيار الحسم العسكري ورفضها لبعض المبادرات السياسية التي طُرحت خلال سنوات الحرب. ويرى هؤلاء أن استمرار الرهان على المعركة العسكرية أسهم في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية تنهي معاناة المدنيين.
في المقابل، يرفض أنصار الحركة الإسلامية هذه الاتهامات، ويؤكدون أنهم يدافعون عن الدولة ومؤسساتها ووحدة البلاد، وأن موقفهم من الحرب مرتبط برؤيتهم لطبيعة الصراع ومخاطره على السودان. كما يرون أن تحميل تيار سياسي واحد مسؤولية تعثر جهود السلام يتجاهل تعقيدات الأزمة السودانية وتعدد الأطراف الفاعلة فيها.
لكن بعيداً عن الجدل السياسي، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أن المواطن السوداني العادي لا يكسب شيئاً من استمرار الحرب. فكل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من المعاناة للأسر التي فقدت منازلها، ومزيداً من الضغط على الخدمات المنهارة، ومزيداً من التدهور في الاقتصاد وفرص التعليم والرعاية الصحية.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن السلام لا يتحقق عندما يسعى طرف إلى إقصاء الآخر أو احتكار المستقبل، وإنما عندما تدرك القوى السياسية أن الوطن أكبر من التنظيمات والأحزاب والمصالح الضيقة. فالاستقرار لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالتوافق والعدالة واحترام حق الجميع في المشاركة في صناعة مستقبل بلادهم.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني يضع وقف الحرب فوق كل الاعتبارات الأخرى، ويمنح الأولوية لمعالجة الكارثة الإنسانية التي يعيشها الملايين. كما يحتاج إلى حوار جاد يشارك فيه مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمعيين للوصول إلى حلول مستدامة تعالج جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
فالتاريخ لا يتذكر من انتصر في معركة عابرة بقدر ما يتذكر من ساهم في إيقاف نزيف الدم وحماية الوطن من الانهيار. ولهذا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من جميع القوى السياسية، بما فيها الحركة الإسلامية وغيرها من الأطراف، أن تجعل السلام والاستقرار مصلحة عليا تتقدم على أي حسابات سياسية أو تنظيمية.
ففي نهاية المطاف، لا يوجد منتصر حقيقي في حرب يدفع ثمنها الشعب بأكمله، ولا مستقبل للسودان إلا عبر سلام عادل يفتح الطريق أمام الاستقرار وإعادة البناء والمصالحة الوطنية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.