حرب إيران تكشف تصدعات تحالف الجيش والإخوان المسلمين في بورتسودان

تقرير: عين الحقيقة

بينما برزت أصوات من تيارات محسوبة على الإخوان المسلمين تعلن صراحة دعمها لطهران واستعدادها للقتال إلى جانبها، سارعت قيادة الجيش السوداني إلى النأي بنفسها عن تلك التصريحات، في مشهد يعكس ارتباكاً سياسياً وأيديولوجياً داخل تحالف ظل لسنوات يعمل في مساحة مشتركة.

مراقبون: المواقف المتعارضة تكشف عن تصدعات داخل التحالف الإخواني في معسكر بورتسودان، أو على الأقل تدفعه إلى إعادة حساباته. فيما اعتبر آخرون أن الأمر لا يعدو كونه «مراوغات» مؤقتة بسبب «الإحراج» الذي سببه دعم النظام الإيراني لقيادة الجيش السوداني

وفي السياق، يرى خبراء تحدثوا لـ«العين الإخبارية» أن هذه المواقف المتعارضة قد تكشف عن تصدعات داخل التحالف الإخواني في معسكر بورتسودان، أو على الأقل تدفعه إلى إعادة حساباته. فيما اعتبر آخرون أن الأمر لا يعدو كونه «مراوغات» مؤقتة بسبب «الإحراج» الذي سببه دعم النظام الإيراني لقيادة الجيش السوداني، ما قد يدفع القيادة العسكرية إلى إعادة ضبط علاقاتها مع تلك المجموعات لتفادي كلفة سياسية وإقليمية أكبر.

وكانت مجموعات عسكرية إخوانية تقاتل إلى جانب الجيش السوداني قد أعلنت، على لسان أحد قادتها ويدعى الناجي عبدالله، أنها تقف مع إيران في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وأنها على استعداد لإرسال قوات تتبع لها للقتال إلى جانب إيران في حال تعرضت طهران لهجوم بري. وكشفت وسائل إعلام سودانية عن خلاف حاد داخل دوائر سلطة بورتسودان بين الجيش والإخوان، على خلفية اعتقال الناجي عبدالله بهدف احتواء ردود الفعل الإقليمية والدولية الغاضبة من التصريحات التي أدلى بها.

وقد تبرأ الجيش السوداني رسمياً من تصريح القيادي الإخواني، واعتبره لا يعبر عن مؤسسة الجيش، كما حاولت الحركة الإسلامية السودانية – الواجهة السياسية لتنظيم الإخوان في السودان- تخفيف وطأة الأزمة عبر بيان أدانت فيه «كل أشكال الاعتداء على الدول العربية والإسلامية».

ويرى المحلل السياسي ورئيس تحرير مجلة «أفق جديد» السودانية، عثمان فضل الله، أن التباين بين تصريحات الناجي عبدالله الداعمة لإيران والموقف المعلن من الجيش السوداني يثير تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقة بين الجيش السوداني والتيارات الإسلامية المتشددة.

وقال فضل الله لـ«العين الإخبارية»:
«تصريحات الناجي عبدالله المؤيدة للانخراط في الصراع إلى جانب إيران قابلها موقف رسمي أكثر حذراً، إضافة إلى بيان منسوب للحركة الإسلامية يرفض الاعتداء على الدول العربية والإسلامية، وهو ما يعكس تبايناً داخل المعسكر نفسه». وأوضح أن الحرب الجارية التي تقودها إيران قد تدفع إلى إعادة حسابات داخل المؤسسة العسكرية السودانية، خاصة في ظل حساسية العلاقات مع دول الخليج التي تمثل داعماً سياسياً واقتصادياً مهماً.

وبحسب فضل الله، قد يسعى قائد الجيش السوداني، عبدالفتاح البرهان، إلى إظهار مسافة أكبر بين الجيش والجماعات الإسلامية المتشددة لتحسين موقعه الإقليمي. واستدرك قائلاً: لكن لا يمكن الجزم بأن هذا التحول حقيقي ونهائي؛ فقد يكون جزءاً من مناورة سياسية تفرضها ظروف الحرب والضغوط الدولية»، مضيفاً أن «استمرار هذا التباين قد يؤدي تدريجياً إلى تصدع داخل التحالف غير المعلن بين الجيش السوداني وبعض التيارات الإسلامية».

التصريح الذي أدلى به الناجي عبدالله أشعل الساحة السودانية، حيث لاقى استنكاراً واسعاً لما تمثله دول الخليج من رابطة وجدانية كبيرة لدى غالبية الشعب السوداني..

التصريح الذي أدلى به الناجي عبدالله أشعل الساحة السودانية، حيث لاقى استنكاراً واسعاً لما تمثله دول الخليج من رابطة وجدانية كبيرة لدى غالبية الشعب السوداني. وهو ما دفع البرهان إلى محاولة تخفيف حدة الأزمة، خلال تصريحات أكد فيها أن الجيش لن يسمح لأي جهة أو مجموعة بالتحدث باسمه أو باسم الدولة السودانية في القضايا السياسية والعسكرية، مشدداً على أن المؤسسة العسكرية ستتعامل بحزم مع أي تجاوز في هذا الشأن.

وجاءت تصريحات البرهان عقب يوم واحد من إعلان المتحدث الرسمي باسم الجيش السوداني أن القوات المسلحة ستتخذ إجراءات قانونية بحق مجموعات محسوبة على التيار الإسلامي أدلت بتصريحات خلال فعالية رمضانية أعلنت فيها استعدادها للدفاع عن إيران في حال تعرضها لغزو بري من الولايات المتحدة وإسرائيل. ولم يستبعد المحلل السياسي السوداني محمد الأمين عبدالنبي أن يسعى البرهان إلى تقليص نفوذ الإسلاميين داخل معادلة الحرب والسلطة.

وأوضح عبدالنبي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن البرهان يدرك أن الاعتماد على المجموعات الإخوانية لا يشكل تحالفاً مستقراً أو مضموناً، كما أن الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة تجعل من الصعب على القيادة العسكرية الاستمرار في علاقة تُفسَّر خارجياً باعتبارها عودة لهيمنة الإسلاميين على القرار السياسي والعسكري في السودان.

وأكد أن انخراط مجموعات مسلحة محسوبة على الحركة الإسلامية في القتال تحت مظلة الجيش السوداني، خاصة وأن هذه المجموعات تتبنى مظهرية القوات النظامية وترفع شعارات أيديولوجية، سيدخل الحرب في سياقات إقليمية ودولية أوسع. وبحسب عبدالنبي فإن التيار الإخواني يسعى إلى استعادة نفوذه السياسي عبر «شرعية البندقية» والتموضع داخل المعركة الجارية، في حين يجد الجيش نفسه مثقلاً بتبعات هذا الارتباط الذي يضفي على الحرب طابعاً أيديولوجياً ويضعف فرص قبول قيادة الجيش دولياً.

وأشار إلى أن استمرار هذه العلاقة يضع الجيش السوداني في حالة مناورة دائمة للتخفيف من الحمولة السياسية المرتبطة بالإسلاميين وتأكيد استقلاليته، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة القيادة العسكرية على تفكيك هذا الارتباط المعقد في ظل تغلغل طويل الأمد للتيار الإسلامي داخل مفاصل الدولة. أما المحلل السياسي والباحث الأكاديمي في السودان، حاتم طه، فيرى أن الجيش السوداني، في ظل الحرب الإيرانية الحالية، يواجه تحدياً حقيقياً في إدارة علاقاته مع مجموعات الإسلاميين المتشددة داخل البلاد.

ورجح طه لـ«العين الإخبارية» أن «تدفع هذه الحرب الجيش السوداني إلى إعادة تقييم هذه العلاقة، خصوصاً بعد أن أصبح واضحاً أن النظام الإيراني لن يعود بالقوة نفسها، ما يجعل أي دعم خارجي محدوداً وغير مضمون».

وفيما يتعلق بتصريحات قائد الجيش السوداني، قال طه إن «تحركات البرهان تهدف إلى كسب ثقة دول الخليج والحفاظ على شرعية الحكومة أمام المجتمع الدولي». وأضاف: «لكن هذا لا يعني بالضرورة تفكيكاً كاملاً للتحالف الإسلامي؛ فالتوازن بين السيطرة الداخلية والقبول الخارجي يجعل الأمر غالباً مراوغة سياسية دقيقة».

وأوضح أن تحالف الإسلاميين في السودان يتعرض لضغوط كبيرة بسبب الانقسامات الداخلية بين التيارات «البراغماتية» والمتشددة في العنف، مشيراً إلى أن هذا الصراع الداخلي «قد يؤدي إلى تصدع تدريجي في التحالف، لكنه ليس انهياراً فورياً، بل عملية مستمرة تتأثر بالتحولات الإقليمية والدولية».

تعكس هذه الأزمة حجم التعقيد في العلاقة بين الجيش السوداني والتيارات الإخوانية، حيث تبرز مخاطر استمرار نفوذ هذه الجماعات داخل معادلة الحرب، بما قد يضع السودان في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية متزايدة. وبين محاولات قيادة الجيش السوداني النأي بنفسها عن هذه المواقف المتطرفة، يتزايد الجدل حول تداعيات استمرار نفوذ هذه الجماعات داخل معادلة الحرب والسلطة، وما قد يترتب على ذلك من عزلة سياسية وإقليمية للسودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.