حين تلتقي الشعارات… وتفترق المواقف

حسن عبد الرضي

في مشهدٍ يبدو للوهلة الأولى لافتًا، يلوح في الأفق تقاربٌ في الخطاب بين لجنة المعلمين السودانيين ونقابة السلطة، كلاهما يرفع اليوم راية الدفاع عن حقوق المعلمين، ويؤكد — بعباراتٍ لا تخلو من الحماسة — ضرورة إنصاف هذه الشريحة التي طال عليها أمد التهميش. حديثٌ عن الأجر العادل والمجزي، وعن متأخرات بلغت أربعة عشر شهرًا، وعن استقطاعات وصلت إلى ٤٠٪ من المرتبات، وعن حقوق أخرى مؤجلة: البديل النقدي، منح الأعياد، بدلات الترقيات، والترقيات نفسها.
لكن، وبينما تتشابه الكلمات، يبقى السؤال الجوهري: هل تتشابه الأفعال؟
إن المعلمين، وهم أكثر فئات المجتمع معاناةً وصبرًا، لم يعودوا يقيسون المواقف بوقع التصريحات، بل بثقل الأفعال وصدق الممارسة. ومن هنا، فإن هذا “التقارب” في الخطاب لا يعني بالضرورة تقاربًا في المواقف الحقيقية، ولا يُعد — في حد ذاته — دليلًا على تحوّلٍ جوهري في نهج نقابة السلطة التي طالما وُجّهت إليها انتقادات حادة بالتقاعس، بل وبالتستر على إخفاقات السلطة في معالجة قضايا التعليم والمعلمين.
اليوم، ينتظر المعلمون من نقابة السلطة أن تثبت — لا أن تعلن — أنها جادة في الدفاع عن حقوقهم. ينتظرون خطوات عملية، مواقف واضحة، وضغطًا حقيقيًا لا يعرف المساومة ولا التراجع. أما الخشية، فهي قائمة ومشروعة: أن يكون هذا الحراك مجرد محاولة متأخرة لحفظ ماء الوجه، بعد أن تعاظمت الانتقادات، وانكشف ضعف الأداء، وتآكلت الثقة.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار الفجوة الواسعة بين ما تدعو له لجنة المعلمين السودانيين — من حيث الطرح والرؤية — وما تقوم به نقابة السلطة على أرض الواقع. فهناك جهدٌ واضح، وصوتٌ حاضر في كل المنابر، يعبّر عن مطالب المعلمين بجرأة واستمرار، في حين ظل أداء النقابة، في نظر كثيرين، باهتًا لا يرقى إلى حجم الأزمة.
غير أن الأزمة لا تقف عند حدود المؤسسات، بل تمتد — للأسف — إلى بعض الممارسات داخل أوساط المعلمين أنفسهم. إذ برزت فئة تفرض وصايةً غير مبررة على زملائها، خاصة في القروبات والمنصات، تحاول توجيه النقاش، وكتم الأصوات المخالفة، واحتكار الحديث باسم الجميع.
وهنا، لا بد من الوقوف بحزم، وطرح سؤال مشروع: من فوضكم للحديث نيابةً عن المعلمين؟ ومن منحكم هذا الحق في مصادرة آرائهم؟ إن هذه الممارسات، مهما كانت نواياها، تسيء أكثر مما تنفع، وتضع أصحابها في خانة التطبيل والتملق، لا في موقع القيادة أو التمثيل. فالمعلمون ليسوا قُصّرًا، ولا يحتاجون إلى أوصياء. لقد اكتسبوا من التجارب ما يكفي لتمييز الصادق من المدّعي، والفاعل من المتفرج.
إنها كلمة نصح صادقة: راجعوا أنفسكم. فالمعلمون قد فهموا الدرس جيدًا، ولن تنطلي عليهم هذه الأساليب مرة أخرى. فالتجربة علمتهم أن الحقوق لا تُستجدى بالشعارات، بل تُنتزع بالمواقف الصلبة، وأن الصوت الحر لا يُكمم، مهما اشتد الضجيج. ولعل أصدق ما يُقال في هذا المقام: لا يُلدغ المؤمن من الجحر مرتين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.