المبادئ فوق الدستورية مدخل لإعادة تأسيس الدولة السودانية

المحامي /سعد منقلا

من التهميش التاريخي إلى مشروع العدالة وبناء دولة علمانية لامركزية قائمة على سيادة حكم القانون والمواطنة المتساوية واحترام التنوع .

المدخل المفاهيمي :
يقصد بالمبادئ فوق الدستورية تلك القواعد العليا الحاكمة التي تعلو على النصوص الدستورية وتشكل مرجعاً ملزماً لا يجوز مخالفته أو الانتقاص منه كما لا يجوز تعديلها إلا وفق إجراءات مشددة باعتبارها الضامن الأساسي لطبيعة الدولة وهويتها الدستورية .

المدخل التاريخي :

جذور الأزمة التاريخية والتهميش في الدولة السودانية لم تكن حادثة عابرة أو نتيجة ظرف سياسي مؤقت بل جاءت نتيجة تراكمات طويلة من الاختلالات البنيوية التي صاحبت نشأة الدولة منذ مرحلة ما بعد الاستقلال المزعوم فقد تأسست الدولة على نموذج حكم مركزي متسلط و تركزت فيه السلطات السياسية والاقتصادية والإدارية في المركز بينما ظلت الأقاليم تعاني من التهميش والإقصاء وضعف الخدمات الأساسية .
كما لم تنجح النخب السياسية المتعاقبة في بناء مشروع وطني جامع يعترف بالتنوع الثقافي والإثني والديني بل استمرت سياسات عدم التوازن في توزيع السلطة والثروة مما أدى إلى اتساع الفجوة بين المركز والأقاليم وخلق شعور عميق بالظلم التاريخي لدى شعوب الهامش .

وقد أفضى هذا التهميش المركب إلى اندلاع نزاعات مسلحة متكررة لم تكن سوى انعكاس لفشل الدولة في تحقيق العدالة السياسية والتنمية المتوازنة بما يؤكد أن جوهر الأزمة هو أزمة دستورية وهيكلية تتطلب إعادة تأسيس شاملة .
في السياق السياسي الراهن نتقدم بالتهنئة إلى الرفيق أرنو نقوتللو لودي أبير بمناسبة تكليفه رئيساً لمجلس الأقاليم من قبل المجلس الرئاسي لحكومة السلام والوحدة .
ويعكس هذا التكليف الثقة في خبراته ودوره في الدفاع عن قضايا الأقاليم كما يمثل تشكيل مجلس الأقاليم خطوة مهمة نحو ترسيخ نظام الحكم اللامركزي القائم على العدالة والمشاركة .
الإطار الدستوري للهيئة التشريعية التأسيسية وفقاً لدستور السودان الانتقالي لسنة 2025 تُعد الهيئة التشريعية التأسيسية سلطة مستقلة تتكون من مجلسي الأقاليم والنواب، ولا يجوز حلها بما يعكس استقرار السلطة التشريعية واستمراريتها .
ويتكون مجلس الأقاليم من (24) عضواً، بينما يتكون مجلس النواب من (177) عضواً مع ضمان تمثيل عادل لمكونات الشعب السوداني وكفالة تمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 40% وهو ما يشكل نقلة نوعية في تحقيق العدالة التمثيلية .
المبادئ فوق الدستورية كأساس رقابييضطلع مجلس الأقاليم بدور رقابي محوري يتمثل في مراقبة الالتزام بالمبادئ فوق الدستورية وعلى رأسها مبدأ حياد الدولة تجاه الأديان، وسيادة حكم القانون والمواطنة المتساوية .
ويشمل ذلك :
أ/ مراقبة التزام مؤسسات الدولة بالمبادئ الدستورية
ب/ التنبيه إلى أي انتهاكات للمبادئ فوق الدستورية
ج/ متابعة إعادة البناء والتنمية المتوازنة
د/ مراقبة برامج الإغاثة وإعادة الإعمار ودمج النازحين
ه/ التشريع لتعزيز ثقافة السلام والمصالحة
التكامل المؤسسي بين مجلسي الأقاليم والنواب حيث يقوم النظام التشريعي على التكامل بين المجلسين حيث يختص مجلس النواب بالتشريع العام والرقابة على السلطة التنفيذية بينما يختص مجلس الأقاليم بمراجعة القوانين ذات الأثر الإقليمي وضمان توافقها مع النظام اللامركزي .
كما يملك مجلس الأقاليم سلطة تعديل القوانين أو إجازتها بأغلبية خاصة بما يعزز حماية مصالح الأقاليم داخل العملية التشريعية
ومجلس الأقاليم كأداة لإعادة تأسيس الدولة حيث تشكل الصلاحيات الممنوحة لمجلس الأقاليم ركيزة أساسية في مشروع إعادة تأسيس الدولة بما في ذلك:
أ/ الموافقة على التعيينات العليا
ب/ إجازة المعاهدات الدولية
ج/ متابعة تطبيق النظام اللامركزي
د/ سحب الثقة في حالات الانتهاكات الجسيمة
ه/ دعم السلام والمصالحة الوطنية
الضمانات القضائية للمبادئ فوق الدستورية لا تقتصر على حماية المبادئ فوق الدستورية ولا على الرقابة السياسية بل تمتد إلى الرقابة القضائية عبر المحاكم المختصة بما يضمن عدم صدور تشريعات أو قرارات تخالف هذه المبادئ .
الخاتمة :

إن إعادة تأسيس الدولة السودانية على أساس المبادئ فوق الدستورية يمثل مشروعاً تحولياً شاملاً يهدف إلى معالجة جذور الأزمة التاريخية وبناء دولة تقوم على سيادة القانون والعدالة واحترام التنوع .
فالدولة التي تحقق التوازن في توزيع السلطة والثروة وتكفل الحقوق والحريات هي الدولة القادرة على تحقيق السلام المستدام والاستقرار السياسي .

ويقف السودان اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة تتطلب إرادة سياسية حقيقية، والتزاماً صارماً بالمبادئ فوق الدستورية، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه دولة العدالة والسلام والوحدة الطوعية .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.