استخدمتهم كسلاح.. كيف صنعت الحركة الإسلاموية جيشاً من الجُهلاء

خالد عبد الله أبو أحمد

منذ فجر التاريخ لم يكن للإنسان عدو أشد فتكاً من الجهل، ليس الجهل بمعناه الساذج أي عدم القراءة والكتابة، بل الجهل بمعناه الأعمق: الجهل بالنفس وأهمية الحفاظ عليها من المهالك، فضلاً عن الجهل بالآخر، والجهل بآليات السلطة والحق والباطل.

في المقابل، المعرفة لم تكن يوماً ضرباً من التباهي أو تجميل الأفعال، فهي الشرط الأول لحياة كريمة، بها يعرف الإنسان حقوقه فيطالب بها، ويعرف واجباته فيؤدّيها، ويعرف المستبد فلا ينخدع به، ويعرف الكذبة فلا يروّج لها. والإنسان بغير المعرفة يصبح، مهما بلغ من العمر والقوة الجسدية، قاصراً في جوهره، عرضةً لكل من أراد توظيفه لغرض، بل يصبح لعبة في أيدي المستبدين سواء كانوا أشخاصاً أو أنظمة حكم، لأن الجاهل ببساطة لا يعرف ما يضره مما ينفعه.

والتاريخ الإنساني مليء بالشواهد التي تثبت أن الجهل لا يورث الفقر وحده، بل يورث الدم والخراب والانهيار الكامل. فحين سقطت الأندلس الإسلامية في نهاية القرن الخامس عشر، لم يكن السبب الوحيد قوة الإسبان العسكرية، بل كان من بين الأسباب الجوهرية أن الدويلات الإسلامية المتناحرة أنتجت شعوباً تتبع القبيلة والعصبية والشيخ لا العقل والمصلحة العامة، شعوب لا تعرف من أمر دولتها إلا ما يُقال لها على المنابر، فوقعت ضحية لتحالفات وخيانات لم تفهمها إلا بعد فوات الأوان.

وحين دخل الاستعمار الأوروبي القارة الأفريقية في القرن التاسع عشر، لم يجد أمامه جيوشاً منظمة فحسب، بل وجد مجتمعات مفتتة تجهل بعضها بعضاً، وشعوباً لا تدرك مفهوم الدولة الموحدة، فكانت أدوات الفرقة أيسر عليه من أدوات القهر العسكري. الجهل السياسي هو الذي فتح الأبواب قبل أن تفتحها المدافع.

وفي العصر الحديث حين صعد هتلر إلى السلطة في ألمانيا، لم يكن الشعب الألماني شعباً أميّاً، كانت ألمانيا من أكثر دول العالم تعلماً آنذاك، لكنها كانت تعاني من شكل آخر من الجهل: الجهل السياسي والنقدي، والقابلية للانسياق خلف رواية عاطفية تلبس الكذب ثوب الوطنية. والنتيجة كانت أشنع صفحة في تاريخ البشرية الحديث.

الجهل إذن ليس غياب المعلومة فحسب، هو غياب الأداة التي تميّز بها بين الحق والباطل، وبين من يخدمك ومن يستخدمك. وحين يُدار هذا الجهل بيد خبيثة واعية يتحول إلى سلاح فتّاك. وهذا بالضبط ما فعلته الحركة الإسلاموية في السودان.

الكارثة التي ضربت السودان

حين استولت الحركة الإسلاموية على السلطة عام 1989 كانت تعرف تماماً ما تريد وما أرادته في جوهره كان إنتاج إنسان سوداني جديد: أكثر طاعةً وضعفا وأقل تساؤلاً، يتحرك بالغريزة والعاطفة لا بالتفكير، ويرى في الولاء للحركة ولاءً لله.

أطلقت على مشروعها اسم “المشروع الحضاري الإسلامي”، وكانت غايته الحقيقية ليس بناء حضارة، بل هدم ما تبقّى من عقل نقدي في المجتمع السوداني.

أول ما فعلته الحركة الإسلاموية هو ضرب المنظومة التعليمية من قمّتها، إذ أُقيل آلاف الأساتذة والأكاديميين فيما عُرف بـ”صالح العام”، وهو مسمّى فضفاض أُريد به إخلاء المؤسسات من كل عقل مستقل لا يدين بالولاء. غادر كثير من هؤلاء إلى المنفى وحُرم السودان من خبراتهم لعقود. ثم جاء “التعريب القسري” للتعليم العلمي دفعةً واحدة دون كوادر مؤهلة ودون مناهج جاهزة، فخرج جيل كامل من المدارس حاملاً شهادات لا تؤهله للتعامل مع مرجعيات المعرفة العالمية.

ثم تدهور التعليم العام تدهوراً كبيراً وأثّر في كل مناحي الحياة، وأُفرغت المناهج من محتواها الذي اشتُهر به التعليم في السودان، وحُشيت بمواد دينية وسياسية تكرّس الولاء وتصنع الجهل وتحارب التفكير المستقل.

الصناعة الحقيقية للحركة الإسلاموية

لكن الأخطر من تدمير التعليم كان بناء ثقافة موازية تمجّد الجهل وتقدّمه في ثوب الدين والأصالة. الجاهل الذي أرادته الحركة الإسلاموية لم يكن أميّاً في الحروف، بل هو الشخص الذي يعرف كيف يتلو القرآن لكنه لا يعرف كيف يقرأ ميزانية الدولة، الذي يحفظ أناشيد الجهاد لكنه لا يعرف أن الدين الخارجي تضاعف عشر مرات، الذي يستطيع أن يكفّر جاره بسهولة لكنه يعجز عن تمييز الفساد من حوله. هذا النوع من الجهل لا يُخلق بالإهمال، بل يُصنع بتخطيط. وقد استخدمت الحركة الإسلاموية لصناعته ثلاثة مصانع رئيسية:

أولها المسجد: حوّلته الحركة الإسلاموية من مكان للعبادة والتعليم الحقيقي إلى منبر سياسي بغطاء ديني، حيث تحولت خطب الجمعة إلى ندوات سياسية يُوجَّه فيها المصلون إلى اتخاذ مواقف بعينها ضد كل مخالف في الرأي والفكر. الأئمة الذين عيّنتهم ووجّهتهم لم يكن همّهم الأول نشر المعرفة والفقه أو ترسيخ الأخلاق الحميدة، بل تكريس فكرة أن الطاعة السياسية للنظام الإسلاموي واجب ديني، وأن من يعارضه يعارض الله. جيل كامل نشأ يسمع هذا الكلام منذ طفولته.

ثانيها الإعلام: سيطرت الحركة الإسلاموية على الأجهزة الإعلامية الرسمية وأضافت إليها قنوات فضائية وصحفاً يومية بهدف تمجيد النظام وإلصاق صفة الخيانة والعمالة بكل من يخالفه الرأي. واستقطبت لهذا الغرض من لا ضمير له ولا موهبة من عديمي الأخلاق، وأغرتهم بالمال والامتيازات، فصارت وسيلةً لتشويه العقول بدلاً من تنويرها. طوال عقود كان المواطن السوداني يتلقى رواية واحدة عن بلاده وعن العالم بلا معارضة ولا نقد ولا تعدد، حتى بات يبحث في القنوات الأجنبية عن أخبار بلاده.

ثالثها الفقر المُدار: الفقر وحده لا يصنع الجهل، لكن الفقر الممنهج الذي يُبقي الإنسان مشغولاً بلقمة عيشه يعطّل كل تفكير آخر. حين يفكّر الرجل كل يوم في كيفية إطعام أطفاله لا يبقى لديه وقت ليسأل: أين ذهبت عائدات النفط؟ ومن يحكم البلاد ولصالح من؟ والحركة الإسلاموية أتقنت إدارة هذا الفقر لا معالجته.

الجهل الوقود البشري لحروب الإسلامويون

لم تكتفِ الحركة الإسلاموية بصناعة الجهل ثقافةً، بل حوّلته إلى وقود بشري في حروبها المتعاقبة. حين دفعت بآلاف الشباب السوداني إلى حروبها تحت راية الكرامة والجهاد في سبيل الله، لم يكن هؤلاء الشباب مجرمين في جوهرهم، كانوا ضحايا جهل مركّب: جهل بتاريخ بلادهم، وجهل بطبيعة الصراع الذي أُزجّ بهم فيه، وجهل بحقوق إخوتهم السودانيين الذين وجدوا أنفسهم يقاتلونهم. ورجل يحمل السلاح ضد ابن وطنه في دارفور أو جبال النوبة مقتنعاً بأنه يؤدي فريضة دينية أشد خطراً بكثير من جندي يعرف أنه يخدم مصالح سياسية.

واليوم في خضم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 يتكرر المشهد بصورة أشد بشاعة. فئات من السودانيين في الداخل والمهجر تسبغ الشرعية على جرائم موثّقة، وتتداول الأكاذيب وترسّخها، وتكيل اتهامات الخيانة لكل من يطالب بوقف القتال. كثير من هؤلاء ليسوا بالضرورة أشراراً، لكنهم ببساطة لا يعرفون، ولأنهم جهلاء لم يتعلموا يوماً كيف يفرّقون بين خبر وشائعة، وبين تحليل وتحريض، وبين حب الوطن وخدمة الأوهام. والحركة الإسلاموية تعرف ذلك جيداً وتستثمر فيه بكل ما أوتيت من قدرة.

مفارقة موجعة

من أشد مفارقات هذه المأساة إيلاماً ما شهدناه قبل أيام من تحشيد مجموعات من السودانيين في المهجر للوقوف ضد إرادة السلام في البلاد، اشترتهم الحركة الإسلاموية بدولارات لا تساوي كرامةً ولا وطناً، واستغلت فيهم الجهل المركّب الذي صنعته هي نفسها في عقولهم قبل سنوات.

 

هناك من يعيشون في دول متقدمة ويعملون في مؤسسات راقية ويتعلم أبناؤهم في بيئات تعليمية متطورة، ومع ذلك لا يزالون يحملون في داخلهم ذلك الوعي السياسي المشوّه الذي أرسته فيهم الحركة الإسلاموية قبل أن يغادروا. يتابعون أخبار السودان عبر صفحات تُدار بأيديولوجيا واضحة، ويحكمون في قضايا بالغة التعقيد بسذاجة مربكة. وفي غرف الواتساب المنتشرة في الجاليات السودانية حول العالم تجري صناعة كاملة لتوزيع التحريض والكذب، وقودها الأساسي ذلك الرصيد الراسخ من الجهل السياسي والتاريخي الذي زرعته الحركة الإسلاموية في عقول أجيال.

أنصاف المتعلمين.. أخطر ما أنتجته الحركة

لعل أخطر ما أنتجته الحركة الإسلاموية على الإطلاق هو تلك الطبقة الواسعة من “أنصاف المتعلمين”: الذين حصلوا على شهادات لكنهم لم يتلقّوا تعليماً حقيقياً. هؤلاء يمتلكون ثقة الشخص المتعلم دون أن يمتلكوا أدواته، يتحدثون بيقين عمّا يجهلون، ويؤثّرون في من حولهم بقدر ما يضلّلونهم.

هذه الشريحة تحديداً كانت الرصيد البشري الأكثر فاعلية لخدمة الحركة الإسلاموية في مراحلها المختلفة، لأن الجاهل البسيط يمكن إقناعه بالحقيقة حين تصله، أما نصف المتعلم فهو يرفض الحقيقة دفاعاً عن غروره، ويرى في اعترافه بالخطأ انتقاصاً من شأنه. وهذا النوع من الجهل المحصّن بالكبرياء هو الأصعب علاجاً والأشد ضرراً.

هل من أمل؟

السودان لا يعاني من نقص في العقول الذكية، لكنه يعاني من حركة أمضت أربعة عقود في تحييد هذه العقول أو تشويهها أو دفعها إلى المنفى. ومعالجة هذا الواقع لا تبدأ بالانتخابات ولا بالدساتير، بل تبدأ بسؤال جوهري: كيف نُعيد بناء الإنسان السوداني الذي يعرف ويفكّر ويميّز؟

في هذا المنحى أشعر أننا جميعاً مسؤولون أمام الله والوطن في أن نجتهد وأن نسعى في نشر المعرفة داخل أسرنا ومن حولنا بكل طريقة ممكنة، فلا ديمقراطية حقيقية بلا مواطن مدرك، ولا سلام مستدام في مجتمع يتحرك بالغرائز والأوهام. وأي إعادة بناء للسودان لا تضع محاربة الجهل في صدارة أولوياتها هي إعادة بناء لجسد بلا روح.

الحركة الإسلاموية آمنت بأن الجاهل أسهل قيادةً من المتعلم، وأن الخائف أطوع من الواثق، وأن الفقير أسرع استجابةً من الكريم. وقد أحسنت في فهم هذه المعادلة وأساءت في توظيفها. ومهمة الأجيال القادمة أن تثبت أن المعادلة يمكن أن تُقلب: أن السودان الذي يعرف هو وحده القادر على أن يحكم نفسه، وأن يختار مصيره، وأن يحاسب من خان أمانة السلطة فيه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.