رغم سنوات الحرب والدمار والانقسامات التي عصفت بالسودان، لا تزال شعارات ثورة ديسمبر حاضرة في وجدان الملايين من السودانيين الذين خرجوا مطالبين بالحرية والسلام والعدالة. لم تكن تلك الشعارات مجرد هتافات عابرة في الشوارع والساحات، بل كانت تعبيراً عن حلم جماعي ببناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة وسيادة القانون، بعيداً عن الاستبداد والعنف والحروب.
اليوم، وبعد سنوات من الصراع والانهيار، يبدو المشهد أكثر تعقيداً مما كان عليه في الأيام الأولى للثورة. فقد توسعت دائرة الحرب، وتفاقمت المأساة الإنسانية، وتعرضت الدولة ومؤسساتها لتآكل غير مسبوق. ومع ذلك، فإن جوهر الأزمة لم يتغير؛ فما يزال السؤال الأساسي هو ذاته: من يملك السلطة في السودان؟ الشعب أم القوى المسلحة؟
لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن احتكار السلاح للقرار السياسي لا يقود إلى الاستقرار، وأن الصراعات العسكرية لا تنتج دولة قادرة على تلبية تطلعات مواطنيها. كما أثبتت السنوات الماضية أن تغييب الإرادة الشعبية من معادلة الحكم يؤدي دائماً إلى إعادة إنتاج الأزمات، مهما اختلفت الوجوه والشعارات.
ولهذا فإن إنهاء الحرب لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة، رغم أهمية ذلك وضرورته. فوقف القتال يجب أن يكون خطوة أولى ضمن عملية سياسية أوسع تعيد السلطة إلى أصحابها الحقيقيين، أي الشعب السوداني. فالأزمة الحالية ليست أزمة أمنية فحسب، بل أزمة شرعية سياسية في المقام الأول.
إن إعادة السلطة للشعب تعني بناء مؤسسات مدنية مستقلة، وإقامة نظام سياسي يستند إلى الإرادة الشعبية عبر انتخابات حرة ونزيهة، وضمان خضوع جميع المؤسسات، بما فيها العسكرية والأمنية، لسلطة الدولة والقانون. فالدول لا تستقر عندما تتعدد مراكز القوة خارج الإطار الدستوري، وإنما عندما تكون السيادة للمؤسسات المنتخبة والشرعية المدنية.
غير أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب أولاً أن تدرك القوى المدنية حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها. فقد أضعفت الانقسامات والخلافات المتكررة قدرة هذه القوى على التأثير في مسار الأحداث، وفتحت المجال أمام أطراف أخرى لملء الفراغ السياسي. وفي وقت تتسع فيه معاناة المواطنين، لم يعد هناك ترف للاستمرار في الصراعات الجانبية أو الحسابات الضيقة.
إن وحدة القوى المدنية ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل ضرورة وطنية. فالسودان بحاجة إلى جبهة مدنية واسعة تضع إنهاء الحرب في مقدمة أولوياتها، وتتبنى مشروعاً وطنياً جامعاً يعبر عن مصالح السودانيين كافة، لا عن مصالح مجموعات أو تيارات بعينها. كما أن هذه الوحدة ضرورية لخلق توازن سياسي يمكن أن يدفع باتجاه تسوية عادلة ومستدامة تنهي دوامة العنف.
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً بسبب الانقسامات والاستقطاب. ملايين النازحين واللاجئين، واقتصاد يواجه الانهيار، وخدمات أساسية تكاد تتوقف في مناطق واسعة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من العبث البحث عن انتصارات سياسية ضيقة بينما يخسر الوطن بأكمله.
إن شعارات ديسمبر لم تفقد مشروعيتها، لأنها تعبر عن مطالب لم تتحقق بعد. فالحرية ما تزال مطلباً، والسلام ما يزال ضرورة، والعدالة ما تزال غاية يسعى إليها السودانيون. وما دام جوهر الأزمة قائماً، فإن تلك الشعارات ستظل حاضرة باعتبارها عنواناً لطموح شعب يتطلع إلى مستقبل أفضل.
السودان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. إما الاستمرار في دوامة الحرب والانقسام، وإما الانحياز إلى مشروع وطني يعيد السلطة للشعب ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية. والطريق إلى ذلك يبدأ بوقف الحرب فوراً، وتوحيد القوى المدنية حول رؤية مشتركة، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
ففي نهاية المطاف، لا يمكن لأي طرف أن يبني السودان وحده، ولا يمكن لأي قوة مسلحة أن تمنح البلاد السلام والاستقرار الدائمين. وحده الشعب السوداني، عبر إرادته الحرة ومؤسساته المدنية، قادر على استعادة الوطن وإعادة رسم مستقبله.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.