الإعلان يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية مزدوجة بدعم القوى المدنية السودانية، ورفض أي تسوية تُبقي على من أشعلوا الحرب أو تهدد وحدة السودان.
ولهذا السبب يُعدّ أهم حدث سياسي بعد الحرب.
طيف أول
يا بحر، يا نغمة الملح في ذاكرة الموج حين يصغي للقصيدة.
ِ
ولعل أهم ما جاء في البيان الختامي لقوى إعلان المبادئ السوداني هو أن الإعلان أوضح للمجتمع الدولي أن أي عملية سياسية لا يمكن أن تكافئ من أشعلوا الحرب، بل يجب أن تُفضي إلى محاسبتهم، وإلا فإن الإفلات من العقاب سيُنتج المزيد من الحروب. إنها رسالة مباشرة بأن العدالة شرط للسلام.
كما اتفقت القوى المدنية على أن وحدة السودان خط أحمر، فلا شك أن العالم تلقى موقفاً واضحاً بأن وحدة السودان أرضاً وشعباً وسيادةً كاملة ثابت لا تقبل المساومة، وأن أي مشروع تقسيم أو تفكيك مرفوض تماماً.
ووضع الإعلان الداخل والخارج أمام مسؤولية مواجهة العنصرية والتحريض القبلي والمناطقي، واعتبر الاستثمار في الكراهية جريمة بحق الوطن والتاريخ لذلك تجد الكيزان مشفقين منه!!
كذلك أوضحت الاجتماعات أن هنالك قوة ثالثة هي الجبهة المدنية، وأن الرسالة هي أن ثمة كتلة مدنية واسعة تتشكل لمناهضة الحرب، وأن صوت الجماهير الرافضة للحرب هو السلاح الحقيقي لبناء حركة السلام السوداني. وهذا يوجّه المجتمع الدولي للتعامل مع القوى المدنية كفاعل أساسي، وهو ما أشرنا إليه في مقال سابق: كيف تتحول القوى المدنية من ردة الفعل إلى الفعل نفسه.
كما أن صياغة المناشدة للتحرك الدولي، وفق ما طالب به الإعلان، ودعت القوى الإقليمية والدولية والمنظمات الإنسانية إلى تسخير كل طاقاتها الدبلوماسية والإنسانية لوقف النزيف. لذلك هي مطالبة بسلام ملزم، وفي الوقت ذاته تحذير بأن التاريخ لا يرحم المتفرجين على جرائم الحرب.
ورؤية السودان الجديد تكمن في رسالة الحرية والسلام والعدالة، كما جسدتها ثورة ديسمبر، وأنها مشروع وطني يحتاج دعماً دولياً صادقاً.
باختصار، فإن الإعلان يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية مزدوجة بدعم القوى المدنية السودانية، ورفض أي تسوية تُبقي على من أشعلوا الحرب أو تهدد وحدة السودان. ففي زمنٍ لم تُبقِ فيه الحرب على أخضر، يصبح هذا الإعلان الذي أتاح التنسيق والعمل المشترك ووحدة الصف المدني أهم ما تم من عمل سياسي بعد اندلاع الحرب في السودان.
كما أنه استطاع ضرب خصوم الثورة والحكم المدني، إذ رفض شرعنة الحرب وأوضح أن أي عملية سياسية لن تكافئ من أشعلوا الحرب، بل ستسعى إلى محاسبتهم. وهذه رسالة مباشرة للكيزان الذين سماهم البيان، مؤكداً أن محاولاتهم لتبييض أفعالهم عبر التسويات لن تمر.
وأعلن هذا الإعلان عن ميلاد كتلة مدنية واسعة خارج معادلة الحرب، قادرة ومستعدة لملاحقة خصومها سياسياً وإعلامياً ودبلوماسياً.
وبتمسك الإعلان بوحدة السودان باعتبارها خطاً أحمر، جاءت الرسالة واضحة أن أي محاولة لتقسيم السودان أو استغلال خطاب الكراهية لن تجد قبولاً، وأن القوى المدنية ستقف ضدها بكل الوسائل.
كما غازل البيان الشعب قائلاً إن صموده أقوى من السلاح، رافعاً صمود السودانيين كحجة دامغة على أن إرادة الشعب أكبر من كل الحروب، ما يعني أن العسكر والكيزان لن يستطيعوا كسر هذه الإرادة مهما طال النزاع.
إضافة إلى ذلك، بنى الإعلان جداراً جديداً من العزلة السياسية والأخلاقية على سلطة الحرب، في رسالة ضمنية بأن المجتمع الدولي والقوى المدنية لن يمنحوا شرعية لمن أشعلوا الحرب، بل سيعملون على عزلهم ومحاسبتهم.
إذن، هل نجحت القوى المدنية في إعلاء كلمتها !؟
بلاشك لأنها استطاعت إعادة صياغة الموقف المدني. فقد نجح الإعلان في تقديم رؤية متماسكة للعملية السياسية قائمة على مبادئ واضحة ومحاسبة المسؤولين عن الحرب، وهو ما يعزز شرعية الخطاب المدني أمام الداخل والخارج.
حتى أن إبراز وحدة السودان كان الرسالة الأقوى، فعدم المساومة عليها منح الإعلان وزناً وطنياً كبيراً وأظهر أن القوى المدنية ليست مجرد طرف سياسي، بل حارس لوحدة البلاد.
كما أن قيمة الإعلان المعنوية هي أنه ضمد جراح الشعب بالكلمات عبر خطاب التضامن مع الضحايا والنازحين والصامدين، ما يعني أن القوى المدنية نجحت في تعزيز ارتباطها بالوجدان الشعبي، وهو عنصر أساسي في بناء الشرعية.
ونجح أيضاً لأنه لم يكتفِ برفض الحرب، بل رسم صورة السودان الجديد القائم على الحرية والسلام والعدالة، ما يجعله وثيقة سياسية تحمل مشروعاً للمستقبل.
طيف أخير
#لا_للحرب
قال المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان إن الوقت حان للانتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني، وأضاف أن الأمم المتحدة تركز الآن على تعزيز المجتمع المدني لإعداده لدور أكبر في المستقبل.
وتزامن التصريح مع اجتماعات نيروبي، إذن ما هو “القادم المشترك” بين الداخل والخارج!!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.