حين أنظر إلى قائد “البراؤون” رافعاً إصبعاً ملفوفاً بالشاش، مرتدياً الكوفية الفلسطينية، ثم أستمع إلى تصريحات أمين حسن عمر بما تحمله من يقين مطلق ونبرة لا تخلو من ازدراء الآخرين، وأتأمل ابتسامة حسن الترابي الشهيرة أثناء الحديث، إضافة إلى ظاهرة التمسك باللغة العربية الفصحى في التخاطب لدى الكيزان وعموم السلفيين، ينتابني شعور عميق بالحزن والدهشة أمام حجم الظلم الذي عاشه السودانيون خلال ثلاثة عقود ونصف من الانفراد بالسلطة.
ثلاثة عقود حفلت بالفساد، والقتل، والسحل، والتعذيب، والحروب، وانتهاك كرامة الإنسان، حتى بدا المشهد أحياناً وكأنه استدعاء لصور قديمة من الوحشية البشرية على طريقة هند بنت عتبة، لا لدولة حديثة يفترض أنها تسعى لبناء الإنسان وصيانة حقوقه.
يستند الكيزان إلى منصة سردية دينية ترسخت عبر المناهج التعليمية، تقوم على الخلط بين التاريخ بوصفه علماً يعتمد على الآثار والعملات والمخطوطات والشواهد المادية، وبين التعامل مع التاريخ باعتباره مجالاً للتقديس يقوم على مرويات شفهية دُوّنت بعد أكثر من قرنين من الهجرة النبوية؛ مرويات تقول الشيء ونقيضه في الوقت ذاته وبكل اريحية، ومع ذلك تُقدَّم باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل النقاش.
والإنسان بطبيعته يميل إلى الارتماء في أحضان المنصات التي تمنحه شعوراً بالتفوق والتميز والانتماء، لأنها توفر له الإحساس بالرضا عن الذات دون حاجة إلى عطاء حقيقي.
غير أن هذا الرضا الزائف كثيراً ما يقود إلى الجمود والتحجر، فيتحول صاحبه إلى حجر عثرة أمام موجات التحديث والتطور التي تجتاح العالم.
وفي النهاية، فإن المستقبل سيكون للأمم القادرة على إنتاج المعرفة العلمية، لأن الاكتشافات العلمية هي التي تصوغ عالم الغد، عالماً ستعيش فيه أجيال ربما تكون أكثر ذكاءً منا جميعاً.
في المقابل، أتذكر عالم الفيزياء الشهير ريتشارد فايمان، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء 1965 عن أبحاثه الرائدة في فيزياء الكم.
فقد كان الرجل متحفظاً تجاه فكرة الجوائز والهالات المصنوعة حول الأشخاص، حتى إنه رفض الجائزة في البداية على مضض، قبل أن يقنعه أصدقاؤه بأن الرفض نفسه سيجلب ضجيجاً إعلامياً أكبر ويعكر صفو حياته الهادئة.
كان فايمان يرى أن القيمة الحقيقية لا تكمن في الميداليات والألقاب، بل في لحظة الاكتشاف ذاتها؛ تلك اللحظة التي توصّل فيها إلى معادلات غيّرت فهم الإنسان لحركة الذرات والجزيئات وفتحت أبواباً جديدة أمام أبحاث لم يكن من الممكن تخيلها من قبل.
بالنسبة له، كانت تلك اللحظة هي مصدر السعادة الحقيقية: سعادة العطاء والمعرفة، لا سعادة التكريم الرسمي.
ومنذ صغره، أدرك فايمان أن كثيراً من مظاهر “التميز” تستند إلى صناعة الأساطير أكثر مما تستند إلى القيمة الحقيقية.
لذلك رفض الانضمام إلى جمعية المتفوقين في مدرسته بعدما اكتشف أن دورها الفعلي لا يتجاوز اختيار متفوقين جدد وإعادة إنتاج الشعور بالنخبوية.
كما استقال لاحقاً من عضوية الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم بعد اختياره عضواً فيها.
وربما يذكّرنا ذلك بسعي الطلاب للالتحاق بالكليات المرموقة أو الجامعات العريقة، مثل جامعة الخرطوم، وهو سعي مشروع وجميل ما دام هدفه المعرفة الحقيقية وتطوير الذات، لا الوقوع في فخ عقدة التفوق التي قد تتحول إلى مرض يدمر الإنسان والمجتمع معاً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.