هل تنجح قوى الثورة السودانية في قطع الطريق أمام الإخوان المسلمين؟ صراع النفوذ ومستقبل الانتقال السياسي في السودان

تقرير: عين الحقيقة

مع استمرار الحرب في السودان وتعثر مسارات التسوية السياسية، يتصاعد الجدل حول مستقبل القوى المدنية والثورية ودورها في مواجهة محاولات عودة التيار الإسلامي إلى واجهة المشهد السياسي. وبينما ترى قوى الثورة أن الحرب وفّرت فرصة لبعض مكونات النظام السابق لإعادة ترتيب صفوفها واستعادة نفوذها داخل مؤسسات الدولة، يؤكد آخرون أن المشهد السوداني بات أكثر تعقيداً من اختزاله في صراع بين قوى الثورة والإسلاميين. وتطرح هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول قدرة القوى المدنية على استعادة زمام المبادرة السياسية، ومدى نجاحها في قطع الطريق أمام أي عودة محتملة للإخوان المسلمين إلى مواقع النفوذ التي فقدوها بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل 2019.

منذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018، رفعت القوى الثورية شعارات تدعو إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية وإنهاء هيمنة التيارات الأيديولوجية على مؤسسات الدولة.

إرث ثقيل من الصراع السياسي
منذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018، رفعت القوى الثورية شعارات تدعو إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية وإنهاء هيمنة التيارات الأيديولوجية على مؤسسات الدولة. غير أن الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط البشير واجهت تحديات كبيرة، من بينها الانقسامات السياسية والصراعات حول إدارة المرحلة الانتقالية. ويرى الباحث في الشؤون السياسية الدكتور عادل عبد الرحمن أن “قوى الثورة نجحت في إسقاط النظام السابق، لكنها واجهت صعوبات كبيرة في تفكيك شبكات النفوذ التي تشكلت خلال ثلاثة عقود من حكم الإسلاميين”. ويضيف أن “التغيير السياسي لا يقتصر على تغيير الحكومات، بل يتطلب إصلاحاً مؤسسياً عميقاً داخل أجهزة الدولة، وهو ما لم يكتمل خلال الفترة الانتقالية”.
الحرب وإعادة تشكيل موازين القوى
أدت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 إلى تغيير المشهد السياسي بصورة جذرية. فبينما انشغلت القوى المدنية بتداعيات الأزمة الإنسانية والأمنية، برزت اتهامات متزايدة بشأن تنامي نفوذ شخصيات وتيارات محسوبة على الحركة الإسلامية داخل بعض مؤسسات الدولة.
وتقول الباحثة في قضايا التحول الديمقراطي، الدكتورة سارة الطيب، إن “الحروب غالباً ما تخلق فراغات سياسية تستفيد منها القوى الأكثر تنظيماً، سواء كانت أحزاباً أو حركات أيديولوجية أو جماعات ذات نفوذ مؤسسي”. وتضيف أن “التحدي الأكبر أمام القوى المدنية يتمثل في قدرتها على تقديم مشروع سياسي موحد قادر على استقطاب الشارع السوداني وإقناعه بوجود بديل عملي لمستقبل البلاد”.

مراقبون: أحد أبرز التحديات التي تواجه قوى الثورة يتمثل في استمرار الخلافات بين مكوناتها المختلفة بشأن أولويات المرحلة المقبلة وشكل التسوية السياسية المطلوبة.

انقسامات القوى المدنية
يرى مراقبون أن أحد أبرز التحديات التي تواجه قوى الثورة يتمثل في استمرار الخلافات بين مكوناتها المختلفة بشأن أولويات المرحلة المقبلة وشكل التسوية السياسية المطلوبة. ويقول المحلل السياسي محمد الأمين إن “الانقسامات المدنية أضعفت قدرة القوى الثورية على مواجهة خصومها السياسيين، وأفقدتها جزءاً من الزخم الشعبي الذي رافقها خلال سنوات الثورة”. ويشير إلى أن “أي مشروع لمنع عودة قوى النظام السابق إلى المشهد يتطلب أولاً بناء جبهة مدنية موحدة تمتلك رؤية مشتركة بشأن الدولة والانتقال الديمقراطي”.
هل يملك الشارع الكلمة الأخيرة؟
رغم التحديات الحالية، يعتقد عدد من الباحثين أن المزاج الشعبي السوداني ما يزال يحمل قدراً كبيراً من التمسك بشعارات الثورة، خصوصاً في ما يتعلق بالحكم المدني ورفض العودة إلى نماذج الحكم التي ارتبطت بالاستبداد والصراعات السياسية. ويقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسن إدريس إن “السودانيين دفعوا ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية، سواء في ظل الأنظمة الشمولية أو خلال الحرب الحالية، ولذلك فإن أي مشروع سياسي مستقبلي سيواجه اختباراً حقيقياً في مدى قدرته على الاستجابة لتطلعات المواطنين”. ويضيف أن “الشارع السوداني لا يبحث فقط عن تغيير الوجوه، بل عن دولة توفر الأمن والاستقرار والعدالة والفرص الاقتصادية”.

مراقبون: الحديث عن إقصاء أي تيار سياسي بصورة كاملة قد لا يكون واقعياً في ظل تعقيدات المشهد السوداني، مؤكدين أن مستقبل البلاد يتطلب بناء نظام سياسي يقوم على المنافسة الديمقراطية..

معركة سياسية مفتوحة
في المقابل، يرى بعض المراقبين أن الحديث عن إقصاء أي تيار سياسي بصورة كاملة قد لا يكون واقعياً في ظل تعقيدات المشهد السوداني، مؤكدين أن مستقبل البلاد يتطلب بناء نظام سياسي يقوم على المنافسة الديمقراطية وسيادة القانون والمؤسسات. لكن آخرين يشددون على ضرورة التمييز بين المشاركة السياسية المشروعة وبين استغلال مؤسسات الدولة أو الأجهزة الأمنية لتحقيق مكاسب سياسية، معتبرين أن نجاح أي انتقال ديمقراطي مرهون ببناء مؤسسات وطنية مهنية بعيدة عن الولاءات الحزبية والأيديولوجية.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
في ظل استمرار الحرب وتعثر الحلول السياسية، تبقى قدرة قوى الثورة السودانية على استعادة المبادرة رهناً بمدى نجاحها في تجاوز خلافاتها الداخلية وتقديم مشروع وطني جامع يضع إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة في مقدمة أولوياته. وبينما يستمر الجدل حول مستقبل نفوذ الإخوان المسلمين والقوى المرتبطة بالنظام السابق، يبدو أن المعركة الحقيقية لن تُحسم فقط داخل أروقة السياسة، بل أيضاً في قدرة السودانيين على بناء توافق وطني واسع يؤسس لدولة مدنية مستقرة تلبي تطلعات المواطنين بعد سنوات طويلة من الأزمات والصراعات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.