وثيقة البرهان.. بداية نهاية «القوة المشتركة» داخل معسكر الجيش؟

تقرير: عين الحقيقة

تكشف التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة في البلاد عن مؤشرات لإعادة ترتيب موازين القوى داخل التحالف الداعم للجيش السوداني، في وقت تثير فيه الوثيقة المسرّبة من مكتب رئيس مجلس السيادة في بورتسودان تساؤلات بشأن مستقبل الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، «القوات المشتركة»، ودورها في المرحلة المقبلة.
فبعد أن برزت «القوات المشتركة» باعتبارها أحد أبرز المكونات العسكرية التي ساندت الجيش السوداني وكتائب الحركة الإسلامية في مختلف جبهات القتال، تشير معطيات المشهد الراهن إلى احتمال تراجع نفوذها السياسي والعسكري، بالتزامن مع ما ورد في الوثيقة المسرّبة بشأن إعادة هيكلة إدارة ملفات السلام والترتيبات الأمنية ونقلها إلى المؤسسات السيادية والعسكرية.
وقال قيادي مطلع من الحركات المسلحة لـ«عين الحقيقة» إن هذه الخطوات قد تعكس توجهًا لإعادة توزيع مراكز القرار داخل السلطة، بما يمنح المؤسسة العسكرية دورًا أكبر في إدارة الملفات السياسية والأمنية على حساب الشركاء الذين برزوا بعد توقيع اتفاق جوبا. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تقارير إعلامية تحدثت عن استبعاد رئيس حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، من دوائر اتخاذ القرار المتعلقة بالملفات العسكرية والسياسية والتفاوضية.
إعادة رسم التحالف
وأفادت تقارير صحفية، خلال الأيام الماضية، بأن التحالف الذي جمع الجيش والحركات المسلحة خلال الحرب قام على معادلة تجمع بين الدور العسكري والمالي والشراكة السياسية القائمة على تقاسم السلطة والثروة. إلا أن التطورات الأخيرة، إلى جانب مضامين الوثيقة المسرّبة، توحي بأن هذه المعادلة تشهد تغيرًا متسارعًا.
فإذا أصبحت الملفات الاستراتيجية تُدار داخل دائرة ضيقة من المؤسسات السيادية والعسكرية، فإن ذلك قد يعني تقلص مساحة نفوذ الحركات المسلحة في رسم مستقبل المرحلة المقبلة، وتحولها من شريك في صناعة القرار إلى قوة ميدانية تعمل ضمن أولويات قيادة الجيش والإسلاميين. ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس رغبة في توحيد القرار العسكري والسياسي داخل مؤسسات الدولة، بينما يرى آخرون أنه قد يخلق توترات داخل التحالف إذا شعرت بعض الحركات بأن مساهمتها العسكرية لم تعد تقابلها شراكة سياسية حقيقية.
مفوضية السلام.. نقطة التحول
من أبرز ما ورد في الوثيقة المسرّبة الإشارة إلى نقل ملفات السلام والترتيبات الأمنية من مفوضية السلام إلى مؤسسات سيادية وعسكرية. ويرى محللون أن هذا التوجه، إذا نُفذ، قد يعيد تشكيل فلسفة إدارة عملية السلام، ويحد من الدور السياسي للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، إلى جانب حملات التشويه التي تتعرض لها «القوات المشتركة» في عدد من الولايات، عبر ربطها بجرائم الفوضى والنهب وتجارة المخدرات، وهو ما يرى قيادات من المشتركة أنه قد يسهم في إضعاف حضورها السياسي وإخراجها من معادلة ما بعد الحرب.
كما قال مصدر عسكري من «القوة المشتركة» لـ«عين الحقيقة»، فضّل حجب هويته، إن هذه الخطوة قد تعكس انتقال إدارة ملف السلام من الإطار السياسي إلى الإطار الأمني، بما يمنح قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وحلفاءه الإسلاميين دورًا أكثر مركزية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
معضلة السلاح والإسناد
وتحدثت تقارير إعلامية عن مطالب سابقة بتوفير طائرات مسيّرة وأجهزة تشويش لبعض الحركات المسلحة، قيل إنها لم تلق استجابة من قبل قائد الجيش الفريق عبدالفتاح البرهان. وتشير هذه المعلومات إلى توجه داخل قيادة الجيش السوداني يقضي بحصر امتلاك الأسلحة النوعية لدى الجيش فقط، بينما يرى آخرون أن ذلك يصب عمليًا في مصلحة الكتائب المرتبطة بالحركة الإسلامية، ويحد من قدرة الحركات المسلحة على امتلاك أدوات قوة مستقلة. ويرى خبراء أن هذا التوجه قد يرتبط باعتبارات أمنية، في حين يعتقد آخرون أنه يقلص قدرة الحلفاء على تنفيذ عمليات مستقلة أو امتلاك أوراق ضغط داخل التحالف.
الاعتماد على الجيش
يرى مراقبون أن «القوة المشتركة» أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الجيش في الإسناد اللوجستي والتمويل والتسليح، وهو ما يحد من مساحة استقلالها في اتخاذ القرار، ويجعل قدرتها على المناورة السياسية والعسكرية مرتبطة بدرجة كبيرة بسياسات القيادة العسكرية. ويعتبر محللون أن هذا الواقع يتسق مع ما تعكسه الوثيقة المسرّبة من توجه نحو تركيز أدوات القوة وإدارة الملفات الحساسة داخل مؤسسات حكومة بورتسودان.
الدور الميداني
ورغم استمرار مشاركة «القوة المشتركة» في العمليات العسكرية، فإن تقديرات مختلفة تشير إلى أن قدرتها على إحداث تحول ميداني مستقل ما تزال محدودة.
ويشير مراقبون إلى أن معظم تحركاتها تتم في مناطق ينتشر فيها الجيش أو تقع ضمن نطاق سيطرته، بينما يرى مؤيدوها أنها لا تزال تمثل عنصرًا مؤثرًا في معارك دارفور، وأن تقييم دورها ينبغي أن يستند إلى النتائج الميدانية، لا إلى التقديرات السياسية وحدها.
بين الشراكة والتهميش
وتطرح هذه التطورات سؤالًا جوهريًا حول مستقبل العلاقة بين الجيش والحركات المسلحة. فإذا استمر تركيز القرار السياسي والعسكري داخل دائرة ضيقة، مع تقليص أدوار المؤسسات التي تشارك فيها الحركات المسلحة، فقد تواجه هذه القوى تحديًا يتمثل في الحفاظ على مكانتها داخل التحالف، وفي الوقت نفسه المحافظة على تماسك قواعدها السياسية والعسكرية.
كما أن أي شعور بتراجع النفوذ قد يدفع بعض الحركات إلى إعادة تقييم خياراتها السياسية، أو توسيع اتصالاتها مع أطراف داخلية وخارجية للحفاظ على حضورها في أي ترتيبات مقبلة.
إلى أين تتجه «القوة المشتركة»؟
يرى محللون أن مستقبل «القوة المشتركة» سيعتمد على طبيعة العلاقة التي ستتشكل بينها وبين قائد الجيش السوداني، وعلى مدى ترجمة التوجهات الواردة في الوثيقة المسرّبة إلى سياسات عملية.
فإذا اتجهت الأمور نحو شراكة مؤسسية متوازنة، فقد تحتفظ الحركات المسلحة بدورها ضمن ترتيبات الأمن والسياسة. أما إذا استمر تركيز القرار داخل دائرة محدودة من قيادات الجيش وكتائب الإسلاميين، فقد تواجه مرحلة يتراجع فيها نفوذها السياسي، مع بقاء دورها العسكري في حدود ما تحدده القيادة العسكرية.
وفي ظل استمرار الحرب وتعثر مسارات التسوية، لا تبدو هذه التحولات مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل التحالف العسكري، بل قد تكون مؤشرًا على إعادة صياغة موازين القوى التي ستحدد شكل الدولة السودانية ومستقبل اتفاق جوبا، الذي يرى مراقبون أنه بات يمثل طموحات فئة أو قبيلة بعينها، أكثر من كونه يعكس مكاسب أو تطلعات أهل دارفور بمختلف مكوناتهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.