ما وراء الوثيقة المسرّبة؟ مشروع البرهان لإعادة رسم السلطة في السودان

تقرير: عين الحقيقة

في تطور قد يعيد رسم ملامح السلطة في السودان، كشفت وثيقة رسمية مسرّبة، من مكتب رئيس مجلس السيادة الانتقالي في حكومة بورتسودان، قبيل أسبوعين ونيف، عن مشروع سياسي واستراتيجي واسع النطاق، خاص برئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يتجاوز إدارة المرحلة الانتقالية إلى إعادة هيكلة الدولة وإعادة تشكيل مراكز صناعة القرار، عبر رؤية سياسية ودستورية شاملة تمنح مؤسسات الحكم إطارًا جديدًا لإدارة البلاد خلال السنوات المقبلة.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة The Liberal الأيرلندية، تتضمن الوثيقة توجيهات بإعداد ما أُطلق عليه «الرؤية السياسية والاستراتيجية الشاملة للسودان»، لتكون المرجعية العليا التي تستند إليها مؤسسات الدولة في إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية، في خطوة يرى مراقبون أنها تعكس توجهًا لإعادة رسم قواعد المشهد السياسي وتحديد ملامح المرحلة التي ستلي الحرب.

وتقترح الوثيقة إنشاء سلطة انتقالية تمتد لخمس سنوات، يقودها رئيس للجمهورية وحكومة من الكفاءات المستقلة، تعقبها انتخابات عامة، ضمن تصور يركز على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإعادة توزيع الأدوار والصلاحيات بين أجهزة الحكم، بما يفضي إلى صياغة بنية سياسية جديدة لإدارة المرحلة المقبلة.

كما تدعو إلى إطلاق حوار سوداني–سوداني داخل البلاد، مع قصر المشاركة على القوى الوطنية التي «لم تتلطخ أيديها بدماء الشعب»، ورفض الاعتراف بمخرجات أي مؤتمرات أو مبادرات سياسية تُعقد خارج السودان، في توجه يعكس، بحسب مراقبين، رغبة في حصر إدارة العملية السياسية داخل مؤسسات السلطة القائمة، ومنحها الدور الرئيسي في تحديد مسار المرحلة الانتقالية.

وتتضمن الرؤية أيضًا إعادة توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة، من خلال تقليص أدوار بعض الجهات المعنية بملف السلام، وإسناد عدد من اختصاصاتها إلى مؤسسات السيادة والأجهزة الأمنية والعسكرية، وهو ما يراه مراقبون مؤشرًا على تعزيز دور المؤسسة العسكرية في إدارة الملفات السياسية والأمنية خلال الفترة الانتقالية.

وفي الجانب الاقتصادي، تركز الوثيقة على توسيع الشراكات الإقليمية، لا سيما مع المملكة العربية السعودية، عبر تفعيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي الخليجي، إلى جانب إعداد برنامج لإعادة الإعمار والتنمية، والعمل على استعادة عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، والسعي إلى رفع العقوبات والقيود المفروضة على البلاد، بما يهيئ بيئة أكثر استقرارًا لجذب الدعم والاستثمارات.

كما تتضمن الرؤية خطة لتعزيز الحضور الدبلوماسي للسودان، من خلال تنشيط العلاقات الإقليمية والدولية، بالتوازي مع إعداد استراتيجية إعلامية تستهدف بناء تأييد داخلي وخارجي للمشروع السياسي، والترويج له باعتباره إطارًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب واستعادة مؤسسات الدولة.

وأشار التقرير إلى أن البرهان بدأ بالفعل في عرض الخطوط العريضة للرؤية خلال لقاءات إقليمية، من بينها اجتماعه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة، في إطار تحركات دبلوماسية تهدف، بحسب التقرير، إلى حشد دعم سياسي وإقليمي للمشروع.

مشروع لإعادة بناء الدولة… أم إعادة إنتاج السلطة؟

ويرى محلل سياسي سوداني، فضّل عدم الكشف عن هويته، في حديث لـ«عين الحقيقة»، أن ما ورد في الوثيقة، إذا صحت، لا يقتصر على كونه برنامجًا لإدارة المرحلة الانتقالية، بل يعكس توجهًا لإعادة هندسة النظام السياسي السوداني من خلال إعادة تعريف مراكز السلطة وآليات اتخاذ القرار، بما يمنح المؤسسة العسكرية دورًا محوريًا في قيادة الدولة خلال السنوات المقبلة.

وأضاف أن الوثيقة توحي بوجود رؤية متكاملة للانتقال من إدارة الأزمة إلى تأسيس نموذج حكم جديد، يقوم على إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، وتحديد الأطراف المؤهلة للمشاركة في العملية السياسية، وهو ما قد يفتح الباب أمام نقاش واسع بشأن مدى شمولية أي تسوية سياسية مستقبلية.

وأشار إلى أن قصر الحوار على القوى التي توافق عليها السلطة، بالتزامن مع رفض المبادرات السياسية الخارجية، قد يؤدي إلى تضييق قاعدة التوافق الوطني، ويجعل فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة أكثر تعقيدًا، في ظل حالة الانقسام التي يشهدها السودان.

كما اعتبر أن توسيع صلاحيات المؤسسات العسكرية والأمنية في إدارة الملفات السياسية يمثل أحد أبرز ملامح مشروع الجيش السوداني بقيادة البرهان لعودة الإسلاميين «الإخوان» وتمكينهم في السلطة والثروة، تارة أخرى، وقد يثير تساؤلات حول مستقبل التحول المدني، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات العسكرية والمدنية خلال المرحلة الانتقالية.

مراقبون: محاولة لإعادة رسم المشهد السياسي

ويرى مراقبون أن الوثيقة، في حال اعتمادها رسميًا، تعكس محاولة لإعادة رسم المشهد السياسي السوداني من خلال تقديم رؤية جديدة لإدارة الدولة بعد الحرب، ترتكز على إعادة بناء مؤسسات الحكم، وتعزيز حضور المؤسسة العسكرية في إدارة المرحلة الانتقالية، بالتوازي مع البحث عن غطاء سياسي وإقليمي يضمن استقرار المشروع.

ويشير هؤلاء إلى أن التركيز على توسيع العلاقات مع الدول العربية والإقليمية، واستعادة الانخراط في المؤسسات الدولية، يعكس إدراكًا لأهمية توفير دعم سياسي واقتصادي خارجي لإنجاح أي ترتيبات انتقالية، في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

لكنهم يؤكدون، في المقابل، أن نجاح أي مشروع سياسي لن يرتبط فقط بحجم الدعم الخارجي، وإنما بقدرته على تحقيق توافق وطني واسع، وإقناع مختلف القوى السياسية والمجتمعية بجدوى ترتيبات المرحلة المقبلة، وضمان مشاركة حقيقية في صناعة القرار.

كما يرى مراقبون أن الرؤية المقترحة قد تواجه انتقادات من قوى سياسية تعتبر أن أي عملية انتقالية ينبغي أن تقوم على توافق وطني شامل، لا على رؤية تُصاغ داخل مؤسسات السلطة وحدها، مهما كانت مبرراتها أو أهدافها.

وفي ظل استمرار الحرب، وتعقيدات المشهد السياسي، وتعثر المبادرات الإقليمية والدولية، يبقى المشروع، إذا ما مضى إلى مراحل التنفيذ، مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، واستحقاقات الانتقال السياسي وبناء مؤسسات دولة تحظى بالشرعية والتوافق الوطني من جهة أخرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.