بعيداً عن المفاجأة السياسية الفجّة التي فجّرتها سناء حمد في اعترافاتها الأخيرة حول إدارتها لتحقيقات مع كبار جنرالات الجيش، فإنّ التدقيق في تفاصيل مسيرتها يزيح الستار عن نموذج صارخ لـ “المرأة الكادر” داخل تنظيم الإخوان المسلمين في السودان؛ تلك الشخصية التي تم توليفها بعناية فائقة لتجمع بين التشدد العقائدي الميداني، والبراغماتية المصلحية في عواصم الغرب.
إنّ التركيز على جوانبها الشخصية يكشف عن ملامح قيادية متزمتة ترى العالم من منظور حزبي ضيق، وترفض السلام كخيار استراتيجي لأنها لا تنمو إلا في بيئات الصراع.
لم تكن سناء حمد يوماً مجرد وجه سياسي ناعم للنظام البائد، بل حرصت على تسويق نفسها كـ “كادر جهادي” مستعد للمواجهة العسكرية المباشر، ويأتي ظهورها الشهير وهي تحمل السلاح في معارك حقل “هجليج” النفطي ضد جيش جنوب السودان ليعكس تركيبة نفسية تتغذى على أدبيات التعبئة والتجييش، وتؤمن بأنّ فرض الأيديولوجيا بالقوة هو الأصل؛ وهو ما يفسّر موقفها الحالي المتزمت الرافض لخيارات السلام ووقف الحرب، حيث ترى في البندقية وسيلة وحيدة لإثبات الوجود.
و يتجلى البُعد النفسي الأكثر خطورة في شخصية سناء حمد من خلال نبرة حديثها وثقتها المفرطة وهي تروي كيف جلست، كشخصية مدنية، مستقوية بالتنظيم العقائدي لتستجوب جنرالات وقادة أجهزة أمنية وعسكرية بمستوى عوض بن عوف وصلاح قوش، وتجبرهم على التوقيع على إفاداتهم.
هذه الصورة تعكس شخصية مشبعة بـ “الاستعلاء الحزبي”، حيث يتقدم الولاء للتنظيم وعقيدته على هيبة الدولة ومؤسساتها العسكرية، ويصبح العسكري مجرد تابع يأتمر بأمر الكادر العقائدي المدني.
و تظهر في معالم شخصية سناء حمد ازدواجية سلوكية انتهازية واضحة؛ ففي الوقت الذي تبنت فيه خطاباً متشدداً معادياً للغرب وأفكاره، لم تجد حرجاً في قبول الابتعاث إلى العاصمة البريطانية (لندن) لدراسة اللغة الإنجليزية.
والأكثر مفارقة هو نزوعها الأناني للاستقرار هناك والقتال من أجل الحصول على “الإقامة البريطانية” لتأمين وضعها الشخصي، قبل أن يتم استيعابها لاحقاً في البعثة الدبلوماسية السودانية.
هذا التحول يكشف عن ملامح شخصية براغماتية تستغل مقدرات الدولة وشعارات الحزب لخدمة مصالحها وضمان خطوط رجعة آمنة في بلاد “العقيدة المغايرة”.
إنّ الرفض القاطع الذي تبديه سناء حمد للسلام في تصريحاتها ومواقفها الحالية ليس مجرد موقف سياسي فقط، بل هو نتاج لتركيبتها النفسية والأيديولوجية؛ فبالنسبة لشخصية راديكالية مثلها، فإنّ السلام والتحول الديمقراطي المدني يعادلان التهميش التام وعزل تنظيمها العقائدي.
هي ترى في استمرار تدفق الدماء واستمرار الحرب الوسيلة الوحيدة لإعادة إنتاج النظام القديم وفرض شروط الجماعة، ليغدو السلام بالنسبة لها هزيمة شخصية وتنظيمية لا يمكن قبولها.
إنّ سناء حمد تمثل النموذج الأوضح لكوادر الحركة الإسلامية الذين تم إعدادهم لإدارة الأزمات عبر الواجهات الدبلوماسية تارة، ومن خلف سواتر الميليشيات وكتائب الظل تارة أخرى، مما يجعل من قراءة شخصيتها مفتاحاً لفهم عقلية تنظيم يرى في دمار الوطن وجثث أبنائه ثمناً بخساً للعودة إلى كرسي الحكم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.