الماء رحلة شاقة في الخوي.. الحرب تعيد رسم خريطة العطش

تقرير: عين الحقيقة

تحولت أزمة المياه في المناطق الواقعة شمالي وشمال غربي محلية الخوي بولاية غرب كردفان من معاناة مزمنة إلى كارثة إنسانية متفاقمة، بعدما أدت الحرب إلى خروج جميع محطات المياه بمدينة الخوي عن الخدمة، تاركة آلاف السكان في مواجهة العطش، ومجبرة إياهم على قطع مسافات طويلة يوميًا للحصول على الحد الأدنى من احتياجاتهم من المياه.

وتُعرف هذه المنطقة تاريخيًا باسم «مثلث العطش»، وتضم عشرات القرى والمناطق، من بينها ود جراد، والكول، وكويلة، والسردابة، والمقيسمات، وعرك المعاركة، ومقيسم الطاهر، وكرنكة، وشلوتة، وحمير أصيل الحريق، والقبة، وود لبن، وود العاتي، ونبلت، وحمير علي، وأم بوم، وأم قرض، وأم القرى، وصولًا إلى إدارية عيال بخيت. ورغم معاناتها الممتدة من شح المياه، فقد ظلت تعتمد بصورة رئيسية على مدينة الخوي لتأمين مياه الشرب، قبل أن تتوقف مصادر الإمداد بسبب الحرب.

ويضطر السكان اليوم إلى شراء المياه المنقولة عبر التناكر من منطقة أم كريدم بولاية شمال كردفان، في رحلة طويلة تمر عبر طرق ترابية وعرة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الأمن والسلامة. ووفقًا لشهادات الأهالي، بلغت تكلفة نقل التانكر الواحد نحو أربعة مليارات جنيه، بينما ارتفع سعر البرميل إلى 40 ألف جنيه، وسعر الجركانة إلى أربعة آلاف جنيه، وهي أسعار تفوق قدرة معظم الأسر في ظل التدهور الاقتصادي وغياب مصادر الدخل.

أما سكان الجزء الشمالي الغربي من المحلية، فلا يجدون سوى منطقة عنكوش باعتبارها أقرب مصدر للمياه. إلا أن الوصول إليها يتطلب رحلة شاقة على ظهور الخيول والحمير تستغرق نحو ثماني ساعات، يعقبها انتظار طويل بسبب ضعف ضخ المياه والازدحام الكبير على المورد، قبل العودة في رحلة مماثلة، ما يجعل الحصول على المياه يستغرق يومًا كاملًا في كثير من الأحيان.

وقال المواطن (أ.م) إن الحصول على المياه أصبح معركة يومية لا تقل قسوة عن ظروف الحرب، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأسر اضطرت إلى تقليص استهلاكها بسبب الندرة وارتفاع الأسعار. وأضاف: “أصبح همنا الأول توفير مياه الشرب، ونناشد الدولة والمنظمات الإنسانية التدخل العاجل لإنقاذ هذه المناطق قبل أن تتفاقم الكارثة.”

وفي السياق ذاته، قال مواطن آخر، فضل عدم الكشف عن هويته، إن السكان يقطعون مسافات طويلة على ظهور الدواب للحصول على بضع جراكن من المياه، مؤكدًا أن عددًا كبيرًا من الأسر لم يعد قادرًا على تحمل تكاليف شرائها. وأضاف: “العطش يرهق الجميع، لكن النساء والأطفال هم الأكثر معاناة. نطالب بإعادة تشغيل مصادر المياه أو توفير إمدادات إسعافية بصورة منتظمة، فالوضع لم يعد يحتمل مزيدًا من التأخير.”

ويحذر الأهالي من أن استمرار انقطاع مصادر المياه في ظل الحرب ينذر بتدهور إنساني أكبر، مع تزايد مخاطر العطش وانتشار الأمراض المرتبطة بنقص المياه، مجددين مناشدتهم الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية التحرك العاجل لإعادة تشغيل محطات المياه أو توفير مصادر بديلة، حفاظًا على حياة آلاف السكان الذين بات الحصول على الماء بالنسبة لهم رحلة يومية محفوفة بالمشقة والمخاطر.

وبينما تستمر الحرب في استنزاف الأرواح وتدمير مقومات الحياة، يبقى الماء حلمًا يوميًا لآلاف الأسر في مثلث العطش. وحين يعجز الإنسان عن الوصول إلى أبسط حقوقه، يصبح الصمت على هذه المأساة شراكة في استمرارها، فيما تغدو الاستجابة العاجلة مسؤولية إنسانية وأخلاقية لا تحتمل مزيدًا من التأخير.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.