فاقد تربوي وفقر مدقع.. كيف تحول أطفال السودان إلى وقود في حرب “كتيبة البراء”؟

متابعات ـ عين الحقيقة

 

مع دخول الحرب الأهلية في السودان فصولاً أكثر دموية، تواجه المنظومة الحمائية للمدنيين انهياراً كاملاً. وفي أحدث فصول هذا التدهور الإنساني، باتت ظاهرة تجنيد الأطفال تتصدر المشهد العسكري، حيث استغلت ما تسمي بـ”كتيبة البراء بن مالك” — الذراع العسكري للحركة الإسلامية والمتحالفة مع الجيش السوداني — القُصَّر وتحويلهم إلى وقود للمعارك المستعرة.

و أثار تقرير حديث صادر عن المرصد السوداني لحقوق الإنسان موجة من القلق الدولي والمحلي، بعد توثيقه استمرار الكتيبة في تجنيد الأطفال بشكل ممنهج.

ووفقاً للمرصد، فإن الممارسات المرصودة لم تعد مجرد “حوادث فردية معزولة”، بل تحولت إلى سلوك يعكس تراجع الالتزام بالمعايير الإنسانية الدولية. وأبرز ما جاء في التوثيق الحقوقي:

رصد بالفيديو: أظهرت مقاطع فيديو جرى تداولها ونقلها المرصد، عمليات نقل لأطفال من مقاعد الدراسة إلى مرافق تدريب عسكرية في منطقة “الميدان الأخضر” بالعاصمة الخرطوم، لإعدادهم للمشاركة في العمليات القتالية. ووصفت المنظمات هذه الممارسات بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، وبشكل خاص لاتفاقية حقوق الطفل التي تحظر إقحام القُصَّر في النزاعات المسلحة.

و لا يمكن عزل ظاهرة تجنيد الأطفال عن الواقع الاقتصادي والتعليمي المنهار في السودان. ويرى خبراء اجتماعيون أن هناك بيئة خصبة أدت إلى تفاقم هذه الأزمة، وتتمثل في الفقر الحاد وعجز الأسر، كما دفع الانهيار الاقتصادي الكامل وتوقف سبل كسب العيش ملايين العائلات إلى حافة المجاعة.

وفي ظل الفقر المدقع، باتت بعض الأسر عاجزة عن توفير لقمة العيش، مما يدفعها — تحت وطأة الحاجة والضغط — للتخلي عن أبنائها أو غض الطرف عن التحاقهم بالكتائب المسلحة التي تقدم وعوداً بتوفير الغذاء والحماية والمقابل المادي.

و مع تحول المدارس إلى ثكنات عسكرية أو مراكز إيواء للنازحين، وتوقف العملية التعليمية تماماً في معظم الولايات، وجد مئات الآلاف من الأطفال أنفسهم في الشارع بلا أمل أو أفق مستقبلي. هذا الفراغ والفاقد التربوي الكبير جعلهم صيداً سهلاً لعمليات الاستقطاب والتعبئة الأيديولوجية والعسكرية.

و يرى مراقبو أن لجوء الجماعات المسلحة، وبخاصة كتيبة البراء بن مالك، لتجنيد الأطفال يعكس أزمة حادة في نقص القوى البشرية والاستنزاف الكبير الذي تعرضت له هذه القوات بعد سنوات من القتال المتواصل. من جانب آخر، يضع هذا الاعتماد المتزايد للجيش على مليشيات إسلامية عقبات قانونية وسياسية معقدة.

ويؤكد خبراء القانون الدولي أن هذه التطورات تثير تساؤلات مشروعة حول “مسؤولية القيادة”. المحاسبة القانونية: يحمّل القانون الدولي القيادات العسكرية للجيش المسؤولية الجنائية المباشرة عن الانتهاكات التي ترتكبها القوات والمليشيات المتحالفة معها أو الخاضعة لسيطرتها الفعلية على الأرض.

و حذرت منظمات حقوقية سودانية ودولية من الكلفة المستقبلية الباهظة لاستمرار هذه الظاهرة. فالخطر لا يقتصر على الموت الفوري في جبهات القتال، بل يمتد إلى ترسيخ جيل نشأ في ظل السلاح والدماء بدلاً من غرف الدراسة والمعرفة.

وفي غياب آليات واضحة للمحاسبة الدولية والمحلية،

يظل أطفال السودان الحلقة الأضعف في صراع يسحق المدنيين، ويُهدد بإنتاج مأساة مجتمعية ستمتد آثارها النفسية والاجتماعية لعقود قادمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.