يدخل المشهد السياسي السوداني مرحلة تُعد الأكثر حساسية منذ اندلاع الحرب، مع تصاعد المؤشرات على تحركات إقليمية تستهدف إعادة رسم خريطة التحالفات المدنية التي قد تحدد شكل السلطة في مرحلة ما بعد الصراع. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من المواجهات العسكرية، لم يعد السؤال الرئيس متعلقاً بمن يحقق تقدماً في الميدان، بقدر ما بات يدور حول الطرف القادر على بناء شرعية سياسية ومدنية تؤهله لقيادة أي تسوية مقبلة.
وفي هذا السياق، اكتسب ما كشفته مجلة أفريكا إنتليجنس أهمية خاصة، بعدما تحدثت عن تحركات سعودية داخل أوساط تحالف «تأسيس» لإقناع شخصيات مدنية بالانضمام إلى مشروع سياسي يوفر لقائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، حاضنة مدنية أوسع، ويعزز فرص حصوله على قبول إقليمي ودولي في مرحلة ما بعد الحرب.
وبحسب المجلة، فإن الاتصالات السعودية لم تقتصر على شخصيات داخل «تأسيس»، بل امتدت إلى قيادات من المكون المدني المتحالف مع قوات الدعم السريع، ما يشير إلى أن الرياض لا تستهدف اختراق تحالف بعينه، بقدر ما تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد المدني السوداني عبر بناء كتلة سياسية جديدة تتجاوز الاصطفافات القائمة.
وإذا وُضعت هذه المعطيات في سياق التطورات السياسية الأخيرة، فإنها تبدو امتداداً لمحاولات إعادة هندسة الحاضنة السياسية للبرهان، الذي يواجه تحدياً يتجاوز الميدان العسكري. فعلى الرغم من احتفاظه بتماسك المؤسسة العسكرية، لا يزال يفتقر إلى قاعدة مدنية واسعة تمنحه شرعية سياسية أكبر في أي ترتيبات انتقالية أو تسوية مستقبلية، في وقت ظل فيه اعتماده المتزايد على الحركة الإسلامية محل انتقادات داخلية وخارجية.
وتشير المؤشرات إلى أن التحرك السعودي لا يقتصر على استقطاب شخصيات من «تأسيس»، بل يستهدف أيضاً قوى من تحالف «صمود»، وبعض التيارات داخل حزب الأمة، إلى جانب شخصيات مستقلة، بما يعكس توجهاً نحو بناء كتلة مدنية عريضة تمنح البرهان خيارات سياسية أوسع، وتخفف من اعتماده على الإسلاميين بوصفهم الرافعة السياسية الرئيسة داخل معسكره.
وفي هذا الإطار، يرى محلل سياسي، فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة»، أن انتقال شخصيات، مثل فارس النور، من معسكر «تأسيس» يمثل مؤشراً أولياً على بداية هذا المسار، فيما تتجه الأنظار إلى شخصيات أخرى داخل التحالفات المدنية لمعرفة ما إذا كانت هذه التحركات ستنجح في توسيع دائرة الاستقطاب خلال المرحلة المقبلة.
إلى ذلك، يرى المحلل السياسي د. عزام عبدالله إبراهيم، في منشور تحليلي على صفحته بـ«فيسبوك»، أن هذه التحركات تكتسب أهمية إضافية مع تصاعد مؤشرات التململ داخل الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش.. فقد حملت تصريحات مني أركو مناوي ومبارك أردول، خلال اجتماعات أديس أبابا الأخيرة، رسائل سياسية واضحة، بعدما دعوا إلى إشراك جميع القوى السياسية، باستثناء المؤتمر الوطني، في أي عملية سياسية مقبلة. ويعكس هذا الخطاب، في نظر مراقبين، حالة من الاستياء داخل الحركات المسلحة من اتساع نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات السلطة، رغم أن هذه الحركات كانت من أبرز الحلفاء الذين وفروا الإسناد العسكري والسياسي للجيش منذ اندلاع الحرب.
وفي المقابل، تتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات إعلامية وسياسية تستهدف الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش، من خلال التركيز على الانتهاكات المنسوبة لبعض عناصرها، مقابل اهتمام أقل بما يُنسب إلى أطراف أخرى داخل المعسكر نفسه. ولا ينفي ذلك أهمية التحقيق في أي انتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، إلا أن توقيت هذه الحملات وطبيعة تناولها يثيران تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل جزءاً من صراع سياسي يهدف إلى تقليص نفوذ الحركات المسلحة قبل الدخول في ترتيبات ما بعد الحرب.
ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال محوري: هل تصبح القوات المشتركة، بقياداتها السياسية والعسكرية، أكبر الخاسرين سياسياً إذا نجحت عملية إعادة تشكيل الحاضنة المدنية للبرهان؟ فإذا تمكن الأخير من بناء قاعدة سياسية جديدة بدعم إقليمي، فقد تتراجع أهمية الحركات المسلحة بوصفها الشريك السياسي الأكثر تأثيراً داخل معسكره، وهو ما قد يعيد رسم موازين النفوذ بين مكونات ذلك المعسكر.
وفي الوقت نفسه، يظل التساؤل قائماً حول مدى قدرة البرهان على الخروج من عباءة الإسلاميين.. فقد تعمقت العلاقة بين الطرفين خلال سنوات الحرب، وأصبح التيار الإسلامي يمتلك حضوراً مؤثراً داخل مؤسسات الدولة والإدارة، الأمر الذي يجعل أي محاولة لإعادة توزيع مراكز النفوذ عملية معقدة سياسياً وتنظيمياً، حتى في حال نجاح البرهان في استقطاب حلفاء مدنيين جدد.
وتتزامن هذه المعطيات مع حديث متداول على منصات التواصل الاجتماعي بشأن تحركات سعودية خلال اجتماعات جنيف الأسبوع الماضي.. فقد نشر المحلل السياسي الإسرائيلي إيدي كوهين، عبر حسابه على منصة «إكس»، مزاعم قال فيها إن الرياض قدمت إغراءات مالية لعدد من السياسيين والنشطاء السودانيين، في إطار مساعٍ لمواجهة ما وصفه بالدعم الإماراتي لتشكيل حكومة مدنية بعيدة عن هيمنة الإسلاميين.
وحتى الآن، لم يصدر أي تأكيد أو نفي رسمي من السعودية أو الإمارات أو الأطراف السودانية المعنية بشأن هذه المزاعم، كما أنها تستند إلى منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تدعمها أدلة مستقلة، ما يقتضي التعامل معها بحذر من الناحية المهنية.
ومع ذلك، فإن تزامن هذه المزاعم مع ما أوردته مجلة أفريكا إنتليجنس يعكس حجم التنافس الإقليمي المتزايد حول مستقبل السودان، ويشير إلى أن الصراع لم يعد يقتصر على ساحات القتال، بل امتد إلى معركة تشكيل الحاضنة السياسية التي ستحدد شكل السلطة المقبلة وموازين النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع السعودية ترجمة هذه التحركات إلى واقع سياسي؟ فمحاولة بناء كتلة مدنية جديدة، أو إحداث اختراق داخل تحالفي «صمود» و«تأسيس»، لن تكون مهمة سهلة في ظل التباينات الفكرية والتنظيمية بين مكونات هذه القوى، فضلاً عن تشابك المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بالأزمة السودانية.
كما أن نجاح أي مشروع لإعادة تشكيل الحاضنة السياسية للبرهان سيظل مرهوناً بقدرته على تقديم ضمانات سياسية حقيقية للقوى المدنية الجديدة، وباستعداده لإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل معسكره، وهو ما قد يواجه مقاومة من الإسلاميين، كما قد يثير تحفظات لدى الحركات المسلحة التي ترى نفسها شريكاً رئيساً في المعادلة العسكرية والسياسية.
وعليه، فإن ما يجري اليوم لا يبدو مجرد اتصالات سياسية عابرة، بل قد يمثل بداية مشروع أوسع لإعادة هندسة المشهد السياسي السوداني استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب.
إلا أن نجاح هذا المشروع سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف الإقليمية على تحويل تحركاتها إلى تفاهمات داخلية قابلة للحياة، وبمدى استعداد القوى السودانية لإعادة صياغة تحالفاتها وفق معادلات جديدة.. وحتى ذلك الحين، ستظل جميع السيناريوهات مفتوحة، وسيبقى السؤال قائماً: هل تنجح الرياض في بناء حاضنة مدنية جديدة للبرهان، أم أن تعقيدات المشهد السوداني ستجعل هذا المشروع يصطدم بواقع أكثر تعقيداً من حسابات السياسة الإقليمية؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.