مشروع البرهان… خارطة طريق لترسيخ النفوذ لا لتحقيق تطلعات الشعب السوداني

بقلم: نورا عثمان

إذا صحت الوثيقة السياسية المسرّبة من مكتب رئيس مجلس السيادة الانتقالي في بورتسودان، فإنها لا تكشف مجرد تصور لإدارة مرحلة انتقالية جديدة، بل تعكس مشروعًا سياسيًا متكاملًا لإعادة هندسة الدولة السودانية وفق رؤية تضع الجيش السوداني والإسلاميين في قلب السلطة، وتعيد رسم قواعد الحكم بما يضمن استمرار نفوذها السياسي والأمني لسنوات مقبلة.

بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي مزقت البلاد، كان السودانيون ينتظرون مشروعًا يؤسس لسلام دائم، ويقود إلى انتقال ديمقراطي حقيقي يعالج جذور الأزمة التي ظلت تتكرر منذ الاستقلال. لكن ما ورد في الوثيقة، بحسب ما نشرته صحيفة The Liberal، يوحي بأن الأولوية ليست لبناء عقد وطني جديد، بل لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة بما يرسخ هيمنة السلطة العسكرية على مستقبل البلاد.

فالمرحلة الانتقالية المقترحة، ومدتها خمس سنوات، لا تبدو مجرد فترة لترتيب الأوضاع، بل مساحة زمنية كافية لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، وإعادة توزيع النفوذ السياسي والإداري والأمني قبل الوصول إلى أي انتخابات. والتجربة السودانية، كما تجارب دول أخرى، أثبتت أن المراحل الانتقالية الطويلة قد تتحول إلى وسيلة لترسيخ الأمر الواقع، بدلًا من أن تكون جسرًا نحو التداول السلمي للسلطة.

وتكشف الوثيقة، كما ورد في التقرير، عن توجه يمنح المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية أدوارًا أوسع في إدارة الملفات السياسية، بالتوازي مع تقليص صلاحيات بعض المؤسسات المدنية. وهذا يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الحرب ستفضي إلى دولة مدنية حديثة، أم إلى نظام سياسي جديد يحتكر فيه العسكريون القرار السياسي والاقتصادي والأمني.

أما الحديث عن حوار سوداني–سوداني، فإنه يفقد الكثير من معناه عندما تُحدد السلطة سلفًا من يشارك فيه ومن يُستبعد منه. فالحوار الوطني الحقيقي لا يقوم على الانتقاء السياسي، بل على إشراك جميع القوى الوطنية وفق قواعد عادلة ومتفق عليها. أما حصر العملية السياسية في القوى التي تنال رضا السلطة، فيهدد بتحويل الحوار إلى وسيلة لمنح الشرعية لقرارات اتُّخذت مسبقًا.

كما يثير رفض أي مبادرات أو مؤتمرات سياسية تُعقد خارج السودان تساؤلات حول ما إذا كان الهدف هو حماية القرار الوطني، أم احتكار إدارة العملية السياسية داخل دائرة السلطة القائمة. فالسودان، في ظل حرب مدمرة وانقسام سياسي حاد، يحتاج إلى أوسع قاعدة ممكنة من التوافق، لا إلى تضييق مساحات الحوار.

ومن أكثر ما يلفت الانتباه في الوثيقة تركيزها على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، بالتوازي مع توسيع نفوذ الأجهزة الأمنية وقيادة الجيش. وأعتقد أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام عودة شخصيات وقوى مرتبطة بالنظام السابق أو بالحركة الإسلامية إلى مواقع التأثير داخل الدولة، وهو ما يعزز مخاوف قطاع واسع من السودانيين من إعادة إنتاج المنظومة التي خرجت الجماهير لإسقاطها في ثورة ديسمبر.

وفي الجانب الخارجي، تبدو الوثيقة حريصة على بناء شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية، خصوصًا مع السعودية، إلى جانب تعزيز العلاقات مع تركيا، والسعي إلى تحسين موقع السودان إقليميًا. ويرى قطاع من السودانيين أن هذا التوجه يركز بدرجة أكبر على تعزيز الدعم السياسي والعسكري للحلفاء، أكثر من تركيزه على تلبية الاحتياجات الاقتصادية الملحة للبلاد. ومع ذلك، فإن أي دعم خارجي لا يمكن أن يكون بديلًا عن الشرعية الداخلية، ولا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لترتيبات سياسية لا تحظى بإجماع السودانيين.

كما تظل العلاقة مع مصر عاملًا مؤثرًا في أي معادلة سياسية سودانية، بحكم الروابط الجغرافية والمصالح الأمنية المشتركة. غير أن استقرار السودان لا يتحقق بإرضاء العواصم الإقليمية، بل ببناء دولة تستمد شرعيتها من مواطنيها، وتقوم على المشاركة السياسية والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية، لا إلى موازين القوة.

إن أخطر ما تكشفه الوثيقة ليس فقط إطالة أمد المرحلة الانتقالية أو إعادة توزيع الصلاحيات، وإنما الفلسفة التي تقوم عليها؛ فلسفة ترى أن الاستقرار يتحقق عبر تركيز السلطة في يد مؤسسة واحدة، بينما تؤكد التجربة السودانية أن غياب التوازن بين المؤسسات، وإقصاء القوى السياسية والمجتمعية، كانا من أبرز أسباب الأزمات المتكررة التي عاشتها البلاد.

لقد دفع السودانيون أثمانًا باهظة من دمائهم واقتصادهم ووحدة وطنهم في سبيل الوصول إلى دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة. ولذلك فإن أي مشروع سياسي لا يؤسس لشراكة وطنية حقيقية، ولا يضمن استقلال المؤسسات، ولا يفتح المجال لمشاركة جميع السودانيين في صناعة القرار، سيظل مشروعًا يفتقر إلى الشرعية الشعبية مهما حظي من دعم داخلي أو خارجي.

إن السودان لا يحتاج إلى مرحلة انتقالية تُفصَّل على مقاس السلطة، ولا إلى خارطة طريق تُكرِّس نفوذ طرف واحد، بل إلى مشروع وطني جامع يضع مصالح الشعب فوق مصالح الحكام، ويؤسس لدولة العدالة والمؤسسات، حيث تكون السلطة وسيلة لخدمة المواطنين، لا غاية في حد ذاتها.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل ستكون هذه الرؤية مدخلًا لبناء دولة حديثة يتشارك السودانيون في صياغة مستقبلها، أم ستتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل إعادة إنتاج السلطة بأسماء وشعارات مختلفة؟ الإجابة لن تصنعها الوثائق، بل إرادة السودانيين وقدرتهم على فرض انتقال حقيقي يقوم على التوافق والشرعية، لا على موازين القوة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.