الإمارات والشعب السوداني… من يداوي الجراح ومن يقتات على الكراهية؟

بقلم: مناهل أبوقصيص

حين تضيق الأرض بأهلها، وتصبح لقمة الخبز حلماً، وجرعة الماء أملاً، وسرير المستشفى رفاهية لا يجدها آلاف السودانيين، يصبح السؤال الحقيقي: من يقف مع الإنسان السوداني في محنته؟ ومن يوظف هذه المعاناة وقوداً لمعاركه السياسية والإعلامية؟

في خضم واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية التي يشهدها السودان في تاريخه الحديث، اختارت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تتحدث بلغة مختلفة؛ لغة المساعدات الإنسانية، والمستشفيات، والدواء، والغذاء، والمياه، لا بلغة الشعارات والصخب الإعلامي.

الإعلان عن تخصيص ثلاثين مليون دولار إضافية لدعم مدينة الأبيض، ليرتفع إجمالي الدعم الإنساني الإماراتي المقدم للسودان منذ اندلاع الحرب إلى نحو ثمانمائة مليون دولار، ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجلات المانحين، بل رسالة تقول إن المدني السوداني لا ينبغي أن يكون ضحية للخلافات السياسية ولا رهينة للصراعات العسكرية.

فالطفل الجائع لا يسأل عن هوية من يطعمه، والمريض الذي يجد الدواء لا يفتش عن الخلافات السياسية، والنازح الذي يجد خيمة تؤويه لا يعنيه من يرفع صوته أكثر على منصات التواصل. ما يعني هؤلاء هو أن هناك من مد يده في وقت عزّ فيه العون.

وفي المقابل، تبدو الحركة الإسلامية «الإخوان» منشغلة بمعركة أخرى؛ معركة التشويه والتخوين وصناعة العداوات. فبدلاً من البحث عن مخارج تنهي الحرب وتخفف معاناة السودانيين، تتفرغ منصات إعلامية وحملات إلكترونية لإنتاج خطاب الكراهية، وتحويل كل مبادرة إنسانية إلى مادة للاتهامات والمزايدات.

ومن وجهة نظري، فإن أكثر ما أضر بالسودان خلال العقود الماضية هو تحويل السياسة إلى معركة صفرية، يُخوَّن فيها كل مخالف، ويُشيطن كل من يقدم رؤية مختلفة. هذه الثقافة لم تبنِ دولة، ولم توقف حرباً، ولم تطعم جائعاً، بل ساهمت في تعميق الانقسامات التي يدفع الشعب السوداني ثمنها حتى اليوم.

إن الحركة الإسلامية السودانية، بحسب ما يراه الكثير من السودانيين، لم تكتفِ بالدفاع عن مواقفها السياسية، بل ساهمت في تأجيج حملات إعلامية تستهدف تشويه صورة الإمارات، مستخدمة خطاباً حاداً ولغة تقوم على الإساءة أكثر من قيامها على النقاش الموضوعي. وفي نهاية المطاف، لا يستفيد المواطن السوداني من هذه الحملات، لأنها لا توفر له دواءً ولا غذاءً ولا أمناً.

وليس خافياً أن الإمارات تكرر في بياناتها الرسمية أن الأزمة السودانية لا يمكن أن تُحسم بالسلاح، وأن الحل يكمن في وقف الحرب، وإطلاق عملية سياسية شاملة تقود إلى حكومة مدنية تحقق تطلعات السودانيين في السلام والاستقرار. وقد يكون الناس مختلفين في تقييم سياسات الدول، لكن الدعوة إلى إنهاء الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية تبقى مطلباً يلتقي حوله غالبية السودانيين.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخصومات، بل إلى من يفتح أبواب المستشفيات، ويدعم المدارس، ويعيد الحياة إلى المدن المنهكة، ويقف مع ملايين النازحين الذين فقدوا كل شيء. والواقع يقول إن أي مساهمة إنسانية صادقة تستحق التقدير، أياً كان مصدرها، طالما أنها تصل إلى المدنيين وتخفف من آلامهم.

كما أن بناء دولة مدنية مستقرة لا يتحقق بخطابات الكراهية، وإنما بإعلاء قيمة المواطنة، واحترام التنوع، والاحتكام إلى السياسة بدلاً من السلاح، وإفساح المجال أمام السودانيين ليقرروا مستقبلهم بعيداً عن الإقصاء والاستقطاب.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً للصراعات الأيديولوجية، وللمشاريع التي وضعت الولاءات السياسية فوق مصالح المواطنين. وربما آن الأوان لأن يدرك الجميع أن الشعوب لا تعيش بالشعارات، وإنما بما ينعكس على حياتها اليومية من أمن، وغذاء، وصحة، وفرص للعيش الكريم.

إن التاريخ لا يخلد من رفع صوته أكثر، وإنما من ترك أثراً في حياة الناس. وعندما تُقاس المواقف بميزان الإنسانية، فإن قيمة أي دولة أو مؤسسة أو فرد تكون بما قدمه للمتضررين، لا بما كتبه أنصاره على منصات التواصل.

سيظل السودانيون يختلفون في السياسة، وهذا حقهم، لكنهم سيتفقون دائماً على أن إنقاذ الإنسان أولى من الانتصار في معركة إعلامية، وأن اليد التي تحمل الغذاء والدواء تستحق أن تُنظر إليها بعين الإنصاف، وأن مستقبل السودان لن يُبنى بالكراهية، بل بالشراكة، والسلام، والدولة المدنية التي تحفظ كرامة جميع أبنائها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.