خطوات البراء السياسية ما هي إلا محاولة للنجاة

صباح محمد الحسن

 

خطوات البراء السياسية ما هي إلا محاولة للنجاة، والهروب من التصنيف، والسعي لإعادة تدوير نفسها سياسيًا قبل أن تُوضع على طاولة المحاسبة الدولية.

حزب عسكري

 

طيف أول:

لا شيء يمنح الخطيئة ندماً

سوى تلك الأضلاع التي تكبح جحيمها.

 

وكتائب البراء تبحث عن شرعية جديدة، وتحاول أن تستعد لمرحلة ما بعد الحرب، وحماية نفوذها عبر واجهة سياسية، لاسيما أنها شعرت بأن موقعها داخل التحالفات الإسلامية لم يعد مضمونًا.

وكشف مصدر لـ “الراكوبة” عن تحركات يجريها قائد كتيبة البراء بن مالك، المصباح أبو زيد، لتأسيس حزب سياسي جديد في السودان، وقد بدأ باتصالات داخلية مع عدد من الطرق الصوفية وقيادات الإدارة الأهلية، أعقبتها لقاءات خارجية.

والبراء، بلقاءاتها مع الطرق الصوفية، تسعى إلى بناء قاعدة اجتماعية وسياسية بعيدًا عن المؤتمر الوطني، وهو ما يعني أن الكتيبة شعرت بأنها ستكون كبش الفداء للإسلاميين في الحرب.

كما أن انتقال قائد ميداني رئيسي في الحرب إلى براحات السياسة يؤكد فشله عسكريًا، سيما أن هذا الانتقال يأتي في ظل استمرار الحرب وفي الوقت الذي تُحاصر فيه مدن مثل الأبيض.

وعندما انسحبت الدعم السريع من الخرطوم، كتبنا في هذه الزاوية أن كتائب البراء لن تحارب في كردفان ودارفور، وأنها فقط تزجّ بالأبرياء وترسلهم إلى الموت، لكنها لن تخرج من الخرطوم.

واليوم يترك البراء موقعه في المعركة قبل نهايتها. ألم يقل من قبل: “لا استسلام حتى آخر جنجويدي”

وشعور البراء بأن التيارات الإسلامية الميدانية تدفع به إلى واجهة العقاب ترجمه في حديثه للقيادات الأهلية، إذ قال إنه غير راضٍ عن طريقة إدارة الملفات السياسية والحزبية التي يتبعها أحمد هارون، معتبرًا أن هناك حاجة إلى مراجعة النهج السياسي الحالي.

وهذا يكشف وجود خلافات داخل التيار الإسلامي، ووجود تنافس على قيادة المرحلة المقبلة، وأن البراء تريد أن تكون لاعبًا مستقلًا لا تابعًا.

وهذا النوع من الصراع الداخلي عادة يظهر عندما تكون هذه التيارات قد وصلت إلى طريق مسدود.

فتحرك المصباح أبو زيد لتأسيس حزب جديد، مقرونًا بانتقاده الصريح لأحمد هارون، يكشف أن التيارات الإسلامية لم تعد قادرة على العمل ضمن إطار واحد، وأن الخلافات بينها تجاوزت مرحلة التباين إلى مرحلة الانقسام البنيوي، الذي يكشف عن انقسام بين العسكريين والمدنيين، وصراع بين القيادات التاريخية والقيادات الجديدة، ومع ذلك تنافس على النفوذ داخل الجيش، وتباين حول كيفية إدارة الحرب والمرحلة الانتقالية.

ولو كانت البراء في وضع عسكري جيد ميدانيًا، لما كان قائدها يجري جولات خارجية ليسوّق نفسه سياسيًا. فهذا التحرك يأتي في قلب هذه الفوضى، ما يعني أن الخلاف وصل مرحلة اللاعودة.

لكن يبقى السؤال: كيف تقدّم البراء نفسها كفاعل سياسي وهي المثقلة بجرائم الحرب، وتلاحقها وصمةُ عارِ التصنيف!!

فهذه ليست مفارقة تستدعي السخرية، لكنها مأزق وجودي لأي قوة مسلّحة تحاول التحوّل إلى حزب عسكري، فمحاولة البراء إنشاء حزب سياسي تفتح الباب لكل الميليشيات لتتحوّل من قوة مسلّحة إلى حزب سياسي، حتى لو كانت مثقلة بالانتهاكات.

وهذا يخلق نموذجًا خطيرًا يعني أن كل من يحمل السلاح يستطيع أن يطالب بمقعد سياسي، سيما في ظل هذه الفوضى الميدانية والسياسية.

كما أن هذا التحوّل الذي تقوم به البراء يحاول أن يضرب أساسًا مهمًا في العرف السياسي، إذ إن السياسيين لا يورّطون أنفسهم في قتل الأبرياء ولا يلوّثون أيديهم بالدماء. فالميليشيا لا تتحوّل إلى حزب سياسي، لأن ما ينتظرها هو المحاسبة أو التفكيك .

فخطوات البراء ما هي إلا محاولة للنجاة، والهروب من التصنيف، والسعي لإعادة تدوير نفسها سياسيًا قبل أن تُوضع على طاولة المحاسبة الدولية ، فهي ليست مجرد كتيبة محلية أو جماعة عسكرية؛ هي كيان أصبح مرتبطًا في التقارير الدولية بالقتل والتصفية والتعذيب والاعتقالات التعسفية والمحاكمات الانتقائية واستهداف المدنيين.

لذلك تحاول أن تغيّر جلدها قبل أن يصلها السيف الدولي.

فكل الميليشيات حين تشعر بأن “الساعة الدولية” بدأت تتحرك، تقوم بخطوة واحدة وهي تغيير الواجهة قبل أن يصل العقاب ،وهذا ما تفعله البراء الآن.

لكن الملفات الحقوقية ليست مجرد اتهامات، بل شهادات وتوثيق وتقارير. أليست هي ذاتها الأسباب التي حرمت الدعم السريع من الظهور السياسي وجعلت مشروعه السياسي مرفوضاً من الداخل والخارج !؟

طيف أخير:

#لاللحرب

في آخر جلساته الطارئة اعتمد مجلس حقوق الإنسان قرارًا بشأن الأوضاع الإنسانية في الأبيض، ووقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية. كما تم الإبقاء على ولاية بعثة تقصي الحقائق، وكُلّفت بإجراء تحقيق عاجل في انتهاكات “الأبيض” لتقديم نتائجها في سبتمبر. ولأول مرة يغيب اسم الإمارات كمتهم بدعم الدعم السريع في حديث ممثل الحكومة .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.