غلاء الأضاحي في السودان .. الحرب تقسم الأسواق وتحرم آلاف الأسر من فرحة العيد !!
تقرير : عين الحقيقة
قبل أسابيع قليلة من حلول عيد الأضحى يقف آلاف السودانيين أمام أسواق الماشية بعيون مثقلة بالحيرة بعدما تحولت الأضحية التي ارتبطت لعقود بمعاني الفرح والتكافل إلى عبئ اقتصادي يفوق قدرة كثير من الأسر.
وبين مدن تخضع لسيطرة الجيش وأخرى تحت نفوذ سلطات موازية، تتباين أسعار الخراف بصورة لافتة كاشفة حجم التشظي الاقتصادي الذي فرضته الحرب على البلاد، حتى باتت الأسواق نفسها تعكس خريطة الانقسام العسكري والسياسي.
وفي أسواق ولاية الجزيرة وسط السودان خاصة العزازي وود مدني وتمبول سجلت أسعار خراف الأضاحي ارتفاعات متسارعة خلال الأيام الماضية حيث تراوحت الأسعار بين 500 ألف و650 ألف جنيه سوداني بينما تجاوزت بعض الخراف حاجز 900 ألف جنيه، بحسب متعاملين في الأسواق.
ويعرف سوق العزازي بارتفاع أسعاره مقارنة بمناطق أخرى، وسط شكاوى من المواطنين بشأن المضاربات التجارية وضعف الرقابة.
وشهدت أسواق الخرطوم وعدد من الولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش قفزة كبيرة في الأسعار خلال موسم الأضاحي لعام 2026م إذ تراوحت أسعار بعض الخراف بين 650 ألف جنيه ومليون و400 ألف جنيه للرأس الواحد، مقارنة بالعام الماضي الذي لم تتجاوز فيه غالبية الأسعار نحو 800 ألف جنيه.
ويربط تجار ومراقبون هذا الارتفاع الحاد بجملة عوامل متداخلة أبرزها استمرار الحرب، وارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل، وتراجع الوقود والخدمات اللوجستية، فضلاً عن تعطل حركة انسياب الماشية القادمة من مناطق الإنتاج الرئيسية في كردفان ودارفور نحو ولايات الاستهلاك بالشمال والوسط، ما أدى إلى انخفاض المعروض مقابل ارتفاع الطلب الموسمي المعتاد.
وأدت الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل 2023م إلى إعادة تشكيل طرق التجارة الداخلية، حيث أصبحت بعض المسارات التقليدية لنقل الثروة الحيوانية غير آمنة أو مقطوعة بالكامل، الأمر الذي رفع تكلفة وصول الماشية إلى الأسواق الرئيسية، وانعكس مباشرة على المستهلك النهائي.
وفي المقابل تبدو الصورة مختلفة في أجزاء من غرب السودان، إذ تشير تقديرات محلية إلى استقرار أسعار الماشية عند مستويات أقل نسبياً، حيث لا يتجاوز سعر بعض الخراف 400 ألف جنيه، بينما تباع الأحمال الصغيرة بنحو 300 ألف جنيه، نتيجة قرب مناطق الإنتاج وضعف حركة التصدير والتجارة إلى الأسواق الأخرى.
وفي مناطق خاضعة لسلطات حكومة تحالف “تأسيس” جرى تداول قوائم أسعار وصفت بأنها الأدنى تضمنت أسعار تبدأ من 150 جنيه سوداني للخروف الصغير وتصل إلى 500 جنيه للخراف الأكبر حجم وسط حديث رسمي عن وفرة المعروض وتخفيف الأعباء المعيشية.
غير أن هذه الأرقام أثارت تساؤلات واسعة بشأن قيمتها الفعلية وآليات التسعير في ظل التفاوت الاقتصادي الكبير بين مناطق البلاد.
ويرى مراقبون أن الفجوة الكبيرة في أسعار الأضاحي بين مناطق السودان المختلفة لم تعد مرتبطة فقط بالعرض والطلب بل أصبحت انعكاس مباشر لتعدد السلطات وتفكك الدورة الاقتصادية الوطنية، حيث باتت الحرب تنتج أسواق منفصلة وأسعار مختلفة وحتى واقع معيشي متباين بين السودانيين.
ومع تراجع الدخول وارتفاع معدلات النزوح وفقدان مصادر الرزق، تبدو الأضحية هذا العام خارج حسابات كثير من الأسر التي باتت تعطي الأولوية لتأمين الغذاء اليومي والاحتياجات الأساسية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من أن يتحول موسم العيد الذي اعتاد السودانيون استقباله بطقوس جماعية وفرح اجتماعي إلى مناسبة تذكر بحجم التدهور الاقتصادي الذي خلفته الحرب.
وفي بلد أنهكته المعارك والانقسام لم تعد أسعار الأضاحي مجرد مؤشر موسمي، بل صارت مرآة لأزمة أعمق أزمة وطن تتسع فيه المسافة بين المواطن وقدرته على العيش، حتى أصبح خروف العيد لدى كثيرين رفاهية مؤجلة، لا تقف وراءها ظروف السوق وحدها، وإنما حرب أعادت صياغة تفاصيل الحياة اليومية للسودانيين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.