السودان وإيران.. عودة التحالفات القديمة ومخاوف من توظيف البلاد في صراعات الإقليم

تقرير: عين الحقيقة

أعاد استئناف العلاقات بين السودان وإيران فتح باب التساؤلات حول طبيعة المصالح التي تجمع الطرفين، خاصة في ظل الحرب المستمرة في السودان والتغيرات المتسارعة في المشهد الإقليمي. ويرى مراقبون أن التقارب الأخير لا يقتصر على الجوانب الدبلوماسية التقليدية، بل يرتبط بحسابات استراتيجية وأمنية أوسع تتجاوز حدود العلاقات الثنائية. وتشير تقديرات سياسية إلى أن طهران تنظر إلى السودان باعتباره موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية ضمن شبكة نفوذها الإقليمية، لما يتمتع به من موقع استراتيجي على البحر الأحمر وقربه من عدد من مناطق التوتر في الشرق الأوسط وأفريقيا.

خبير : “السودان يمتلك قيمة استراتيجية تتجاوز إمكاناته الاقتصادية، إذ يمثل بوابة مهمة نحو البحر الأحمر وشرق أفريقيا..

السودان في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية

يرى محللون أن السودان ظل، على مدى سنوات، يمثل نقطة ارتكاز مهمة في الرؤية الاستراتيجية الإيرانية تجاه المنطقة. فموقعه الجغرافي يمنحه أهمية استثنائية في حركة التجارة والملاحة الدولية، كما يجعله حلقة وصل بين الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. ويقول الخبير في العلاقات الإقليمية الدكتور عبد الرحمن الأمين إن “السودان يمتلك قيمة استراتيجية تتجاوز إمكاناته الاقتصادية، إذ يمثل بوابة مهمة نحو البحر الأحمر وشرق أفريقيا، وهو ما يجعله محل اهتمام دائم من القوى الإقليمية”. وأضاف أن أي تقارب بين الخرطوم وطهران يُنظر إليه في إطار التنافس الإقليمي على النفوذ والممرات الاستراتيجية، وليس فقط في إطار العلاقات الثنائية التقليدية.

اتهامات بدعم عسكري متبادل

تزايدت خلال الفترة الماضية التقارير التي تتحدث عن تعاون عسكري بين الجانبين، وسط اتهامات بأن إيران قدمت دعماً تقنياً وعسكرياً للجيش السوداني، بما في ذلك تقنيات مرتبطة بالطائرات المسيّرة. ويرى الباحث في شؤون الأمن الإقليمي محمد الفاتح أن “التعاون العسكري غالباً ما يكون أحد أهم أدوات بناء النفوذ بين الدول، خصوصاً في فترات الصراعات والحروب الداخلية”. وأشار إلى أن استمرار الحرب جعل السودان أكثر انفتاحاً على الشراكات العسكرية الخارجية، الأمر الذي قد ينعكس على طبيعة التحالفات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.

مخاوف من تدويل الأزمة السودانية

يحذر مراقبون من أن تزايد ارتباط السودان بمحاور إقليمية متنافسة قد يؤدي إلى تعقيد الأزمة الداخلية بدلاً من المساهمة في حلها. وتقول الباحثة في الشؤون السياسية سارة عبد الله إن “أخطر ما تواجهه الدول التي تمر بحروب داخلية هو تحولها إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية”، مضيفة أن أي انخراط متزايد للقوى الخارجية في الصراع السوداني قد يطيل أمد الأزمة ويجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة. وترى أن السودان بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة تضع المصالح الوطنية فوق اعتبارات الاستقطاب الإقليمي.

خبير: أي دولة تسعى إلى توسيع حضورها الإقليمي تنظر إلى السودان باعتباره شريكاً محتملاً بسبب موقعه الجغرافي وقدرته على التأثير في معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

البحر الأحمر في قلب التنافس

يربط خبراء بين تنامي الاهتمام الإيراني بالسودان وبين الأهمية المتزايدة لمنطقة البحر الأحمر، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية متعددة. ويقول المحلل الاستراتيجي الدكتور أحمد الطيب إن “التحكم في الممرات البحرية وخطوط الإمداد بات جزءاً أساسياً من معادلات النفوذ في المنطقة”، مشيراً إلى أن موقع السودان يمنحه أهمية خاصة في هذه الحسابات. وأضاف أن أي دولة تسعى إلى توسيع حضورها الإقليمي تنظر إلى السودان باعتباره شريكاً محتملاً بسبب موقعه الجغرافي وقدرته على التأثير في معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

تحديات أمام القرار الوطني

في ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن التحدي الأكبر أمام السودان يتمثل في الحفاظ على استقلالية قراره الوطني وسط تصاعد التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ. ويؤكد محللون أن البلاد تحتاج إلى مؤسسات دولة قوية وسياسة خارجية متوازنة تمنع تحول السودان إلى ساحة لصراعات الآخرين، خاصة في ظل الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.

بين المصالح الوطنية وصراعات المحاور

ومع استمرار الحرب وتعقّد المشهد السياسي، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة السودان على تجنب الانخراط في تحالفات قد تزيد من تعقيد أزمته الداخلية. فبينما ترى بعض الأطراف أن الانفتاح على شركاء إقليميين يمثل ضرورة فرضتها ظروف الحرب، يحذر آخرون من أن ربط مستقبل السودان بصراعات النفوذ الإقليمية قد يضع البلاد أمام تحديات أكبر من تلك التي تواجهها اليوم. وفي جميع الأحوال، يبدو أن موقع السودان الاستراتيجي سيظل عاملاً رئيسياً في جذب اهتمام القوى الإقليمية، ما يجعل إدارة العلاقات الخارجية واحدة من أكثر الملفات حساسية في مستقبل البلاد السياسي والأمني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.