الجميل الفاضل يكتب: ترس السودان وما أدراك ما ترس السودان؟!
“الترس” في السودان ليس مجرد كتلة من الحجارة أو الحديد تنصب في عرض طريق؛ لقد أضحي “الترس” بنية ثقافية، وعقيدة نضالية متوارثة، ورمز لسيادة الشارع ولإرادة الجماهير، يمتد بجذوره عبر عقود من الكفاح السلمي ضد كافة أشكال القمع والوصاية.
ففي أحداث ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود، ولدت “ليلة المتاريس” الشهيرة كاستجابة فورية لحماية مكتسبات الثورة.
عندما سرت شائعات بأن قطاعات من الجيش تنوي الانقلاب على الاتفاق السياسي وإجهاض الثورة ليلة 21-22 أكتوبر، فانطلق نداء الإذاعة الشهير للجماهير بضرورة حماية الشوارع.
لتتحول شوارع الخرطوم في غضون ساعات فقط إلى غابة من المتاريس التي شُيدت بكل ما طالته أيدي الثوار من جذوع أشجار، وبراميل، وحجارة.
كانت تلك أول لحظة تدرك فيها الجماهير أن “الشارع هو ملك للشعب” وحده، وأن حماية السيادة الوطنية من قوى الردة تبدأ بـ “ترس الأرض” لمنع تحرك آليات القمع.
وبالتالي فإذا كانت ثورة أكتوبر 1964 قد شهدت ولادة هذه الفكرة العبقرية، فإن ثورة ديسمبر 2018 قد منحتها “القداسة والأبعاد الأسطورية”.
حيث لم يعد الترس مجرد حاجز مادي، بل تحول إلى مفهوم نضالي شامل وعقيدة وجودية.
إذ خلال اعتصام القيادة العامة التاريخي، كانت “التروس” هي خطوط الدفاع الأولى التي تحمي المعتصمين السلميين من رصاص الغدر والخيانة.
خلف تلك المتاريس، صُنعت مجتمعات صغيرة تسودها قيم التكافل، والوعي، والحرية، والجمال.
ليتحول المصطلح من “الجماد” إلى “الإنسان”.
ليتحول “الترس” من حجر الي بشر، ليصبح هو اسم الثائر نفسه، الذي يرمز ويعبر عن الصلابة، والجسارة، والثبات على المبادئ، والوقوف في وجه طلقات الرصاص بصدر عارٍ لحماية بقية الرفاق.
اليوم الأربعاء فيما يعلن “ترس السودان”، عن إغلاق للحدود مع مصر، رداً على التجاوزات الأمنية والاقتصادية للقاهرة، أرى أن ثقافة الترس قد بلغت رشدها الاستراتيجي الكامل، ليغدو الترس أداة بديلة، عندما تعجز الدولة، أو تتقاعس، أو تتواطأ في حماية مواطنيها ومعدنيها وثرواتها.
هنا يتدخل “الترس” كي يغلق الأرض ويفرض “منطقة حرة” بشروطه الخاصة.
فالترس الذي بدأ في شوارع الخرطوم الضيقة لحماية حيّ أو زقاق في 1964، بات اليوم أداة إقليمية قادرة على قطع طرق التجارة الدولية، وحبس الموارد عن القوى الإقليمية التي تتجاوز حدود الجيرة، ولإعادة صياغة شروط اللعبة السياسية مع دول الجوار بندية كاملة.
علي أية حال، فالترس هو ابتكار عبقري سوداني صنع لمواجهة القهر. وهو يثبت الآن أن السيادة لا تُمنح من النخب الحاكمة، لكنها تُنتزع من الأسفل؛ من الطين والتراب والحجارة ومن بسالة الشباب.
المهم فاليوم، عندما يرتفع صوت “ترس السودان”، فإنه يستحضر لا محالة في جيناته أرواح ثوار أكتوبر 1964، وجسارة رفاق ديسمبر، ليعلن للكون كله: أن الأرض التي يحرسها “التروس” بأجسادهم وعقيدتهم لا يمكن أن تُستباح.
ففي سنن الملكوت، لا تستيقظ الأمم بضجيج البنادق، وإنما تستيقظ حين تسترد علاقتها الأولى بالأرض.
اذ حين تُغلق الطرقات لا تتوقف الشاحنات وحدها.
انما تتوقف دورةٌ كاملة من علاقاتٍ اختل ميزانها طويلًا.
لتهتز من ورائها أسواق النهب والسرقة.
وترتبك شبكات وسلاسل التهريب التي ظلت تقتات على هشاشة هذه الحدود.
ليتلعثم خطاب الوصاية الذي أقنع نفسه، حتى صدّق، أن السودان لا يستطيع أن يقف على قدميه ليقول لا.
في هذا الاربعاء سيكون كل حجرٍ قد وُضع على الطريق، هو حجرً يُنزع في الحقيقة من جدار التبعية.
وكل ساعةٍ يظل فيها هذا الشريان مغلقًا ستعيد هي تعريف القوة.
ليفهم أن القوة ليست ما يحلق في السماء من طائرات، لكن هي ما يرسخ في الأرض من إرادة.
ولذلك فإن ما جرى اليوم لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مواجهةً حدودية، ولا نزاعًا اقتصاديًا محدودا.
إنما هو بداية لتشكل كتلة تاريخية طال انتظارها.
كتلة لا تُبنى من تحالف النخب، إنما من التقاء وجع المعدّن، وعرق المزارع، وصبر الراعي، وكدح العامل، وحلم الطالب، ودم الشهيد، في إرادةٍ واحدة تقول: إن السودان للسودانيين، وأن ثراوته ستظل حكرا لأهله وحصرا لبنيه.
وبالطبع حين تتلاقى هذه الطبقات حول مصلحة الوطن العليا، تتغير علاقات الإنتاج قبل أن تتغير الحكومات، ويولد اقتصادٌ جديد، لا يقوم على تصدير الخامات واستيراد التبعية.
المهم فإن ما يحدث اليوم علي حدودنا، هو نقرةٍ صغيرة، لكنها نقرة سيتردد صداها في الجبال، والأنهار، وفي قلوب الناس، حتى يصبح الهمس نشيدًا، والنشيد وطنًا، والوطن قدرًا لا يستطيع التاريخ بعده أن يعود إلى الوراء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.