بعد سنوات من الحرب التي مزقت السودان وأغرقت شعبه في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، بات من الواضح أن استمرار القتال لن ينتج سوى المزيد من الدمار والانهيار. فلا المنتصرون في الحروب الطويلة يخرجون سالمين من آثارها، ولا الأوطان تستطيع النهوض فيما تتآكل مؤسساتها وتتبدد مواردها وتتشظى مجتمعاتها.
لقد أثبتت التجربة السودانية، كما أثبتتها تجارب كثيرة حول العالم، أن الحلول العسكرية لا تستطيع معالجة الأزمات السياسية العميقة. فالحرب قد تغيّر موازين القوى مؤقتاً، لكنها لا تبني دولة مستقرة، ولا تؤسس لشرعية مستدامة، ولا تحقق العدالة التي يتطلع إليها المواطنون. ولهذا فإن السودان يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إطلاق عملية سياسية شاملة تضع حداً للصراع وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من البناء الوطني.
إن أي عملية سياسية جادة يجب أن تنطلق أولاً من وقف شامل للحرب، باعتباره المدخل الضروري لإنقاذ الأرواح ووقف النزيف الإنساني. فالملايين من السودانيين يعيشون اليوم بين النزوح والجوع وانعدام الأمن، بينما تتعرض البنية التحتية والخدمات الأساسية لمزيد من التدهور. ولا يمكن الحديث عن إصلاح أو تنمية أو استقرار في ظل استمرار أصوات المدافع والطائرات المسيّرة.
لكن وقف الحرب، على أهميته، لا يكفي وحده. فالتحدي الحقيقي يكمن في معالجة الأسباب التي أوصلت السودان إلى هذه المرحلة. وهذا يتطلب حواراً سياسياً واسعاً يضم مختلف القوى الوطنية والمدنية، ويهدف إلى صياغة رؤية مشتركة لمستقبل البلاد بعيداً عن الإقصاء والاستقطاب ومنطق الغلبة العسكرية.
لقد عانى السودان لعقود من تسييس مؤسسات الدولة وربطها بالولاءات الحزبية والأيديولوجية، الأمر الذي أضعف مهنيتها وأفقدها القدرة على أداء دورها الوطني. ولذلك فإن إعادة بناء الدولة يجب أن تبدأ بإصلاح مؤسساتها على أسس مهنية وقومية، بحيث تكون خادمة للمواطن لا أداة في يد أي تيار سياسي أو جماعة بعينها.
وتأتي المؤسسة العسكرية في قلب هذه العملية. فالدول المستقرة تقوم على جيوش وطنية مهنية تحمي الحدود والدستور، ولا تنخرط في التنافس السياسي أو الصراع على السلطة. كما أن الأجهزة الأمنية ينبغي أن تعمل وفق القانون وتحت الرقابة المؤسسية، بما يعزز ثقة المواطنين في الدولة ويضمن حماية الحقوق والحريات.
ولا يقل أهمية عن ذلك إصلاح الجهاز الإداري للدولة وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والخدمية التي تعرضت للتآكل بسبب الحرب والصراعات السياسية المتعاقبة. فالسودانيون لا يحتاجون فقط إلى إنهاء القتال، بل إلى دولة قادرة على توفير التعليم والصحة والخدمات الأساسية وفرص العمل والحياة الكريمة.
كما أن نجاح أي عملية سياسية يتطلب تمكين القوى المدنية من لعب دورها الطبيعي في قيادة المرحلة المقبلة. فالتجارب أثبتت أن استقرار الدول لا يتحقق إلا عبر مؤسسات مدنية شرعية تستند إلى الإرادة الشعبية وتحكمها قواعد الديمقراطية وسيادة القانون.
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية، رغم كل المآسي التي يعيشها. فالحرب، على قسوتها، كشفت حجم الخلل الذي تراكم داخل الدولة، وأظهرت الحاجة الملحة إلى مشروع وطني جديد يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة الحقيقية بين جميع السودانيين.
إن إطلاق عملية سياسية شاملة ليس خياراً ترفياً أو مطلباً نخبوياً، بل ضرورة وطنية لإنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع. فكل يوم تتأخر فيه التسوية السياسية يعني مزيداً من الضحايا ومزيداً من الخراب وصعوبة أكبر في إعادة البناء.
ويبقى الأمل قائماً في أن ينتصر صوت العقل على صوت السلاح، وأن يدرك الجميع أن مستقبل السودان لن يُصنع في ساحات القتال، بل على طاولات الحوار، ومن خلال مؤسسات وطنية مهنية ومدنية قادرة على حماية الدولة وخدمة المواطنين وصناعة السلام الذي طال انتظاره.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.