ليست كل الأيام سواء في ذاكرة الأمم. فهناك أيام تمرّ كغيرها، وهناك أيام تتحول إلى علامات فارقة تقسم التاريخ إلى ما قبلها وما بعدها. وفي تاريخ السودان الحديث، يبقى الثالث من يونيو ٢٠١٩ واحدًا من تلك الأيام الثقيلة التي لا يمكن محوها من الذاكرة الوطنية مهما تعاقبت السنوات أو تبدلت الحكومات أو حاولت آلة الدعاية السياسية إعادة كتابة الوقائع.
ففي ذلك الصباح الحزين، لم يكن المستهدف مجرد اعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، بل كانت المستهدفة فكرة بأكملها. كانت المستهدفة أحلام الملايين الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، مؤمنين بأن السودان يقف على أعتاب ميلاد جديد بعد عقود طويلة من الاستبداد والحروب والفساد والانقسام. كان اعتصام القيادة العامة أكثر من تجمع سياسي. كان صورة مصغرة للسودان الذي حلم به الثوار. السودان الذي تتجاور فيه القبائل والأقاليم والثقافات المختلفة دون خوف أو إقصاء. السودان الذي تتقدم فيه الأغاني على أصوات البنادق، وتنتصر فيه الكلمات على الرصاص، وتصبح فيه المواطنة أساس الانتماء لا العرق ولا الجهة ولا العقيدة السياسية.
لكن القوى التي رأت في الثورة تهديدًا لمصالحها لم تكن مستعدة للسماح بذلك الحلم أن يكتمل. ولهذا جاء فض الاعتصام بوصفه محاولة لكسر الإرادة الشعبية عبر العنف المفرط، وإرسال رسالة دامية مفادها أن السلطة ما زالت ترى في السلاح طريقًا للحكم وفي القوة وسيلة لإدارة السياسة. لقد سالت الدماء في محيط القيادة العامة، وسقط الشهداء، وامتلأت قلوب السودانيين بالحزن والغضب والأسئلة التي ما زالت تبحث عن إجابات كاملة حتى اليوم. أسئلة عن المسؤولية، وعن العدالة، وعن الأسباب التي جعلت السودان يعود مرارًا إلى دائرة العنف كلما اقترب من فرصة تاريخية لبناء دولة مدنية ديمقراطية. غير أن ما يلفت النظر بعد سبع سنوات تقريبًا من تلك المأساة، هو أن الكثير من الدروس لم تُستوعب بعد. فالسودان الذي فشل في تحقيق العدالة الكاملة لشهداء فض الاعتصام، وجد نفسه بعد ذلك يغرق في حرب مدمرة اندلعت في أبريل ٢٠٢٣، لتؤكد مرة أخرى أن الإفلات من العقاب لا يصنع استقرارًا، وأن تأجيل معالجة جذور الأزمة لا يؤدي إلا إلى انفجارها بصورة أكثر عنفًا وأوسع نطاقًا.
إن ذكرى الثالث من يونيو لا ينبغي أن تكون مناسبة للبكاء فقط، ولا منصة للمزايدات السياسية، ولا مادة للاستقطاب الحزبي. إنها قبل كل شيء فرصة للتأمل في طبيعة الدولة التي يريدها السودانيون. دولة القانون أم دولة القوةدولة المؤسسات أم دولة الأفراد؟ دولة المواطنة أم دولة الامتيازات التاريخية التي تُمنح لفئات وتحجب عن أخرى؟ لقد أثبتت التجارب أن الشعوب قد تُهزم مؤقتًا لكنها لا تُمحى. وأن الأحلام الكبيرة قد تتعثر لكنها لا تموت. وأن الدم الذي يُراق ظلمًا يتحول مع الزمن إلى ذاكرة جمعية تلاحق الجناة وتلهم الأجيال الجديدة البحث عن مستقبل أفضل. واليوم، بينما يعيش السودان واحدة من أخطر مراحله التاريخية، تبدو رسالة الثالث من يونيو أكثر وضوحًا من أي وقت مضى؛ لا مستقبل للسودان بالحرب، ولا استقرار بالاستبداد، ولا وحدة وطنية بالإقصاء، ولا دولة حديثة دون عدالة حقيقية ومحاسبة شفافة واحترام كامل لحق المواطنين في المشاركة السياسية السلمية.
رحم الله شهداء فض الاعتصام، ورحم جميع شهداء ثورة ديسمبر المجيدة وكل ضحايا الحروب السودانية، وألهم أهلهم الصبر والقوة. أما المسؤولية الوطنية والأخلاقية فتظل قائمة على عاتق الأحياء؛ أن يحفظوا الذاكرة من النسيان، وأن يمنعوا تكرار المأساة، وأن يواصلوا السعي نحو وطن لا يُقتل فيه الحلم كلما اقترب من التحقق. فالأوطان لا تُبنى بالنسيان، بل بالحقيقة. ولا تستقيم بالثأر، بل بالعدالة. ولا تنهض بالخوف، بل بالحرية. وستبقى ٣ يونيو، مهما طال الزمن، شاهدًا على جريمةٍ هزّت ضمير السودان، وشاهدًا كذلك على شعبٍ ما زال يؤمن بأن فجر الحرية، مهما تأخر، لا بد أن يأتي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.