السودانيون في مصر : ضيوف الحرب إلى ضحايا الجحود

حسن عوض محمد عبدالله

حين تدفع الحرب ملايين السودانيين إلى مغادرة وطنهم، فإن آخر ما يتوقعونه هو أن يجدوا أنفسهم في مواجهة خطاب ازدراء أو معاملة قاسية من شعب طالما اعتبروه الأقرب إليهم تاريخاً وجغرافيا ومصيراً لذا فهم لم يختاروا مصر عبطا
لقد دخل السودانيون مصر وهم يحملون جراح الحرب وفقدان الأهل والديار والسند ، لكن كثيرين منهم وجدوا أنفسهم أمام معركة أخرى عنوانها التمييز والإقصاء والتضييق.
المفارقة أن الكثير الكثير بل الغلبة من الأصوات المصرية تتحدث عن السودانيين وكأنهم غرباء هبطوا من وراء البحار، متناسين أن السودان ليس مجرد دولة مجاورة، بل هو العمق الجنوبي الذي ظلت مصر تستند إليه عبر التاريخ.
فالجغرافيا لا تكذب ومصر لا تمتلك امتداداً برياً متصلاً أكثر أهمية من السودان، ولا تربطها بأي شعب عربي أو أفريقي روابط بشرية وتاريخية كتلك التي تربطها بالسودانيين.
لقد وقف السودانيون دائماً إلى جانب مصر في محطاتها الصعبة، ولم يكن في الوجدان السوداني عداء للمصريين، بل على العكس ظل كثير من السودانيين ينظرون إلى مصر باعتبارها الشقيقة الكبرى. لكن ما يراه السوداني اليوم من حملات تحريض وعنصرية وتنمر وكراهية واذلال في ملايين المنصات الإعلامية ومواقع التواصل يطرح أسئلة مؤلمة حول حقيقة هذه الأخوة التي طالما جرى التغني بها.
ليس من العدل أن يُحاسب اللاجئ على ظروف الحرب التي أجبرته على الرحيل. وليس من الأخلاق أن يتحول الإنسان الذي فقد كل شيء إلى هدف للابتزاز أو الإهانة أو التحقير.
فالذين عبروا الحدود لم يحملوا معهم جيوشاً ولا مشاريع هيمنة،ولا رغبة في التمصر بل حملوا حقائب صغيرة وذكريات ثقيلة وأملاً في النجاة بذويهم وصغارهم ونسائهم.
الأكثر غرابة أن بعض من يهاجمون السودانيين يتناسون حقيقة بسيطة: الأزمات السياسية تتغير، والتحالفات تتبدل، لكن الجغرافيا تبقى
سيظل السودان جار مصر الأقرب، وسيظل الشعب السوداني جزء من معادلة الاستقرار في وادي النيل .
ومن الحكمة أن تُبنى العلاقات على الاحترام المتبادل لا على الاستعلاء المؤقت الذي قد تفرضه ظروف الحرب.
إن السودانيين لا يطلبون امتيازات خاصة، ولا ينتظرون من أحد منة أو فضلاً. كل ما يطلبونه هو أن يُعاملوا كبشر لهم كرامة وحقوق، وأن يُنظر إليهم باعتبارهم ضحايا حرب لا متهمين. فالأمم تُقاس أخلاقياً بطريقة تعاملها مع الضعفاء والمحتاجين، لا بحجم الشعارات التي ترفعها في أوقات الرخاء.
فخلال فترة قصيرة انتقلت صورة السوداني في بعض هذه المنابر من جار وشقيق تجمعه بمصر روابط التاريخ والنيل والمصير المشترك، إلى صورة نمطية مشوهة تُلصق به أوصافاً قاسية واتهامات جماعية لا تستند إلى الإنصاف.
يتساءل كثير من السودانيين: من المستفيد من هذا التحول المفاجئ؟ وكيف يمكن أن تتحول أخطاء أفراد – إن وجدت – إلى أحكام تطال ملايين البشر؟ ولماذا يجري تقديم السوداني أحياناً باعتباره مصدر تهديد أو مشكلة اجتماعية، بينما تتجاهل هذه السرديات حقيقة أن أغلب السودانيين الذين وصلوا إلى مصر هم أسر فرت من الحرب بحثاً عن الأمن والاستقرار؟
إن أخطر ما في حملات الكراهية ليس إساءتها إلى السودانيين وحدهم، بل أنها تزرع الشقاق بين شعبين ارتبطا عبر قرون بروابط لا تستطيع عواصف السياسة أن تمحوها. فالتعميم ظلم، وتحميل شعب كامل مسؤولية تصرفات أفراد هو طريق يؤدي إلى مزيد من الاحتقان وسوء الفهم.
ليس مطلوباً من أحد أن يتجاهل المشكلات الواقعية أو الحوادث الفردية، لكن المطلوب هو أن تُناقش هذه القضايا بميزان العدالة لا بميزان الكراهية، وأن يُحاكم المخطئ بصفته الفردية لا باعتباره ممثلاً لأمة بأكملها.
وصلت الحملات الي درجة التشكيك في أمور كثيرة
فكون ان السودانيين جادوا بمدن كاملة كمدينة(حلفا ) بكل ارثها وعلي طريقة الجمل بما حمل لأجل خاطر قيام السد العالي والتهام بحيرة ناصر لكم هائل من الاراضي كفائض للمياه ملزم لقيام السد وامور كثيره لا يتسع المجال لذكرها…..
سيعود السودانيون إلى بلادهم حين يعود السلام، وستبقى الذكريات. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل منصف على نفسه اليوم: أي ذكرى نريد أن تبقى في وجدان ملايين السودانيين عن هذه المرحلة؟ ذكرى التضامن والإنسانية، أم ذكرى الجحود والتنكر لأواصر التاريخ والجوار؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.