ليس السؤال الحقيقي: من أطلق الرصاص فقط؟ بل من صنع البيئة السياسية التي جعلت قتل الشباب أمراً ممكناً، ومن وفر الغطاء، ومن صمت بعد ذلك وكأن شيئاً لم يحدث.
منذ اليوم الذي سالت فيه دماء المعتصمين، ظل الإسلاميون يحاولون الهروب من مرآة التاريخ. فكلما طُرحت الأسئلة، لجأوا إلى الإنكار أو المراوغة أو صناعة روايات بديلة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن الاعتصام كان يمثل أكبر تهديد سياسي لمشروعهم منذ سقوط نظامهم، وكان تجسيداً حقيقياً لشعار “حرية، سلام، وعدالة” الذي أرعب كل القوى الراغبة في إعادة إنتاج الاستبداد.
في نظر كثير من السودانيين، لم يكن المعتصمون مجرد شباب في ساحة عامة، بل كانوا إعلاناً واضحاً بأن السودان القديم قد انتهى. ولذلك تحولت الساحة إلى هدف سياسي قبل أن تصبح هدفاً أمنياً.
وهنا يبرز سؤال الدور الذي لعبته القوى المتحالفة مع الإسلاميين أو المستفيدة من بقائهم في المشهد. كيف تحولت بعض الحركات المسلحة من شعارات مقاومة التهميش إلى مواقع قريبة من السلطة؟ وكيف أصبحت بعض القيادات التي ادعت الدفاع عن الهامش جزءاً من منظومة تصمت أمام الدم أو تتعايش معه؟
الأخطر من ذلك كله هو الصمت العسكري المستمر. أين كانت شجاعة البرهان عندما احتاج السودانيون إلى الحقيقة؟ وأين كانت تصريحات ياسر العطا النارية عندما تعلق الأمر بكشف المسؤولين عن قتل الشباب؟ وأين كانت رواية الكباشي التي تضع النقاط على الحروف؟
لقد تحدث هؤلاء كثيراً في السياسة والحرب والتحالفات، لكنهم كانوا أقل حديثاً عندما تعلق الأمر بالعدالة. وكأن دماء الشباب ملف يجب أن يطويه النسيان، أو صفحة يمكن تجاوزها مع مرور الزمن.
غير أن المشكلة التي لم يفهمها الإسلاميون وبعض قادة المؤسسة العسكرية هي أن الجرائم السياسية لا تسقط بالتقادم الأخلاقي. قد تتأخر العدالة، وقد تتعثر التحقيقات، وقد تتغير الحكومات، لكن ذاكرة الشعوب أكثر عناداً من كل ذلك.
إن السؤال الذي يلاحق الإسلاميين اليوم ليس فقط: ماذا فعلوا خلال ثلاثين عاماً من الحكم؟ بل ماذا فعلوا عندما واجهت الثورة السودانية لحظتها الفاصلة؟ وهل وقفوا مع إرادة الشباب أم مع القوى التي رأت في تلك الإرادة خطراً يجب إسكاته؟
أما السؤال الذي يلاحق قادة الجيش فهو أبسط وأكثر قسوة: إذا كنتم أبرياء من المسؤولية السياسية والأخلاقية، فلماذا لا تقولون كل ما تعرفونه؟
إن استمرار الحرب ورفض السلام قد يحمي المسؤولين لبعض الوقت، لكنه لا يغير الوقائع الراسخة في ذاكرة الناس. وكل دقيقة تمر دون كشف الحقيقة تضيف فصلاً جديداً إلى أزمة الثقة بين السودانيين ومؤسساتهم العسكرية والسياسية.
لقد قُتل شباب كانوا يحلمون بوطن أفضل، لكن ما قُتل معهم لم يكن مجرد أحلام أفراد، بل فرصة تاريخية لبناء دولة تحترم مواطنيها. ولهذا ستظل الأسئلة قائمة، وسيظل الغضب مشروعاً، وستظل الحقيقة مطلوبة مهما طال الانتظار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.