المعلمون بين سبورة التعليم وزنازين القمع

نورا عثمان

في كل مرة تواجه فيها السلطات السودانية حراكاً مطلبياً سلمياً، يعود إلى الواجهة ذات الأسلوب القديم القائم على التهديد والاعتقال ومحاولة إخضاع أصحاب المطالب المشروعة بالقوة. واليوم، ومع تصاعد إضراب المعلمين احتجاجاً على تردي الأجور والأوضاع المعيشية، تتزايد الأنباء عن استدعاءات ومضايقات واعتقالات تطال بعض الناشطين والمعلمين، في مشهد يعيد إلى الأذهان صفحات مؤلمة من تاريخ الصراع بين السلطة والحركة النقابية في السودان.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو: هل تستطيع الاعتقالات أن تحل أزمة الأجور؟ وهل يمكن للسجون أن توفر للمعلم قوت أطفاله أو تسدد متأخراته المالية؟ الإجابة التي تؤكدها تجارب السودان المتعاقبة هي أن القمع قد يؤخر انفجار الأزمات، لكنه لا يعالج أسبابها. فالمعلم الذي خرج مطالباً بحقوقه لم يفعل ذلك بدافع سياسي مجرد، وإنما نتيجة واقع معيشي أصبح لا يُحتمل، بعد أن تآكلت الرواتب وفقدت قدرتها على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.

لقد أثبتت التجارب أن استهداف القيادات النقابية والمهنية لا يؤدي إلى إنهاء الأزمات بقدر ما يكشف عجز الجهات المسؤولة عن تقديم حلول حقيقية. فحين تتحول المطالب المتعلقة بالأجور والاستحقاقات إلى ملفات أمنية، فإن ذلك يعني أن الأزمة انتقلت من كونها قضية إدارية أو اقتصادية إلى أزمة ثقة بين الدولة والعاملين في مؤسساتها. وما يحتاجه السودان اليوم ليس المزيد من المواجهات، بل المزيد من الحوار والاعتراف بالمشكلات والسعي الجاد لمعالجتها.

إن المعلمين يشكلون أحد أهم أعمدة المجتمع السوداني. فهم من يحملون مسؤولية بناء الأجيال وصناعة المستقبل في ظروف بالغة القسوة. ومن المؤسف أن يجدوا أنفسهم مضطرين للاختيار بين أداء رسالتهم النبيلة وبين توفير احتياجات أسرهم الأساسية. ولذلك فإن أي محاولة لتصوير مطالبهم باعتبارها تهديداً أمنياً تتجاهل جوهر القضية الحقيقية، وهي أن المعلم يطالب بحقه في حياة كريمة تمكنه من أداء واجبه المهني على الوجه المطلوب.

ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي استيعابه هو أن الحركات المطلبية لا تُهزم بالاعتقالات، وإنما تُعالج بالحلول العادلة. فكل معلم يتم استدعاؤه أو اعتقاله سيبقى رمزاً لقضية أوسع تتعلق بالأجور والحقوق المهنية والعدالة الاجتماعية. كما أن أي ضغوط أمنية لن تغير حقيقة أن الأزمة الاقتصادية هي التي دفعت المعلمين إلى الإضراب، وأن معالجة هذه الأزمة تبدأ من الاستجابة للمطالب المشروعة لا من ملاحقة أصحابها.

إن مستقبل التعليم في السودان لا يمكن أن يُبنى على الخوف، بل على احترام المعلم وصون حقوقه. فالدول التي تكرم معلميها تستثمر في مستقبلها، أما الدول التي تواجه مطالبهم بالعقوبات والإجراءات الأمنية فإنها تخاطر بإضعاف أحد أهم القطاعات الحيوية في المجتمع.

لذلك فإن الطريق الأقصر لإنهاء الإضراب ليس في أبواب السجون ولا في مكاتب الأجهزة الأمنية، بل في طاولة الحوار، وفي قرارات شجاعة تعترف بمعاناة المعلمين وتمنحهم ما يستحقونه من تقدير مادي ومعنوي. فالمعلم الذي يحمل الطباشير لا ينبغي أن يُعامل كخصم، بل كشريك أساسي في بناء الوطن وإنقاذه من أزماته المتراكمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.