ما بين قرني وجمال ثمة اقتران بالإصباح

بقلم: صلاح شعيب

 

حفزتني هذه الصورة على استذكار هذين المبدعَين المميزين. إذ ما لقيتهما في أحد “الحيشان التلاتة” إلا وانفتحت لديَّ طاقات من السعادة ليومي ذاك. فما بالك لو اجتمع لك لقاءان متفرقان بالمبدعَين الاثنين كما قد اجتمعا في هذه الصورة الموحية؟
آنذاك كنتُ أتجول من حوش إلى آخر لأصطاد الخبر أو الحوار، ثم أعبر النهر مرة أولى آخر النهار إلى الخرطوم محملاً بمادة الطبيخ الصحفي. وفي العبور الثاني أعود إلى اتحاد الفنانين لاصطياد الأنس من الفنانين المداومين على الحضور كيفما اتفق.

 

  • تلك أيام انقضت بحلوها، ومرها. ولكن مبدعينا ما بدلا تبديلاً. ظلا كالطودين الأشمّين في محراب الثقافة، ينثران الأفكار والشعر والفن، ويمشيان وسط الناس بكثير من الفرح الذي يبذلانه في ملمات الصحبة، والسوق، والشارع العام.
    تباعدت العقود بيننا، وكادت تصبح ثلاثاً، وجرت أمواه وفيرة تحت الجسر، وربما فوقه. ولكن ما بقي من الذاكرة قصص حوارات ومؤانسات لم تطر في الفضاء لتردد أنغام رضا. وما سقط من حيلة القلم وقتها صار عميقًا في أخاديد الذاكرة، كأني أراها مشاهد حية متحركة تمشي أمامي، والحمد لله على فيض نعمائه.
    وبينما ينتقص منا العمر كل يوم ولا يمتد، نرى تلك الذكرى الطيبة طيوفًا من المواقف، والمفارقات والأحداث. فالمثقف العضوي محمد عبد الرحيم قرني إنسان مختلف، بهمومه الدرامية التي تشقيه أكثر مما تسعده، وذلك أمر يعرفه أصدقاؤه المقربون.

 

فالتخطيط للفكرة الدرامية أو المسرحية، وما يستتبعه حتى التنفيذ على خشبات السودان أو عبر أثيره، جمرات معاناة يطؤها المبدع بلا رأفة ولا نصير له.
فأحياناً تدخلك الفكرة الفنية في صدام مع أنصاف المبدعين في الأجهزة الرسمية، إن لم يكن مع حراس السلطة وممثليها في أروقة الإدارة الثقافية والأمنية. فدراما قرني تومئ إلى جعل المتلقي قادراً على استنباط الجواهر في الفكرة التي تعينه على فهم واقعه المأساوي باستمرار. وهذا النوع من العمل الفني، إن مر على الرقابة، فإن طائفة من المعيقات التنفيذية تحول دون خروجه إلى العلن. إنه باختصار فحوى صراع المثقف الحر مع السلطات الاستبدادية التي لا تستوثق دائمًا من الفنان. وقرني بتجاربه الإبداعية ومواقفه الراسخة وعفة نفسه يتشقَّى لا محالة في عرصات حاله. ومع ذلك يفضّل أن يركز في الدارة بينما فضّل جموع من زملائه وأصدقائه الخروج، وهكذا تركناه يعاني وحيداً.
أما المبدع العميق جمال حسن سعيد فهو توأم الضحك؛ فكلما أقابله وجهاً لوجه، تأتي قفشاته موالاً قبل أن نمدَّ اليد ونتسالم، كما غنى الطيب عبد الله في رائعته التي لم تحظَ بما تستحق مثل “الأبيض ضميرك” أو “السنين” أو “يا فتاتي”.
جمال أيضًا توطن على فكرة البقاء في الوطن، مستفيداً مما يسميه بعضنا هامشاً ضيقاً للحرية. يحاول أن يدس فكرته في تلافيف العمل التلفزيوني الذي برع فيه، ويهرب من الرقابة عبر المشاهد المفارقة والمضحكة والرمزية. ومع ذلك فإن فرص تمديد الاستنارة المسرحية لهذه الأعمال الدرامية ضئيلة، إذا حسبنا أن الفن لا يزدهر إلا في مناخ من كامل الحرية.
يتقارب محمد عبد الرحيم قرني مع جمال حسن سعيد في رسالتهما الفنية، ويشتركان في جدية الدراما والمسرح التي يقدمانها، حيث يكمل كل منهما الآخر ويُشكّلان معًا تياراً فنياً متكاملاً في الساحة الثقافية السودانية. أحبا الوطن ولم يهجراه في الثلاثة عقود الأخيرة. بل تحملا ظروف الكبت السياسي، وأهوال الحرب، لكونهما يتوطدان بذاتهما قرباً من المواطن الذي أرادا التخفيف عن مآسيه بالفن الهادف.
أهم مساهمات قرني كانت في أدواره المؤثرة في مسرحية «مأساة يرول» التي كتبها الخاتم عبدالله وأخرجها السماني لوال، ومسلسل «الشاهد والضحية» الذي كتبه عادل إبراهيم محمد خير وأخرجه فاروق سليمان، و«يوميات سائق تاكسي» الذي ألفه محمد شريف علي وأخرجته زكية محمد عبدالله، إلى جانب «المهمة 56» للمخرج شكر الله خلف الله، ومسلسل «القناص»، ومسلسل «الشموع»، ومسلسل دومة ود حامد الإذاعي الذي أخرجه أبو بكر الهادي وأعده مصعب الصاوي، ومسرحية «ضو البيت» التي استقاها الشاعر محمد محيي الدين من رواية «ضو البيت» للطيب صالح وأخرجها قاسم أبو زيد. عرف قرني كذلك كونه أكاديميا ضليعاً في مجال تدريس الدراما لعقود من الزمان، وأسس عدداً من الفرق بجانب المشاركة في ورش تدريبية داخل وخارج السودان.
جمال حسن سعيد كوكتيل من الفنون فهو كاتب وممثل وشاعر ومخرج سوداني بارز، ويُعد أحد أبرز نجوم الكوميديا والدراما في السودان، وقد ترك بصمته في المسرح والتلفزيون على مدى عقود. لم يقتصر دوره على التمثيل والإخراج، بل كان حريصًا دائمًا على توظيف المسرح كأداة تنوير ونقد اجتماعي، مستخدمًا الكوميديا اللاذعة والسخرية الذكية ليكشف تناقضات المجتمع وإخفاقات التجربة السياسية السودانية منذ الاستقلال. يظهر ذلك بوضوح في أعماله المسرحية المهمة حيث بدأ ممثلا اول مرة في “مدفع الدلاقين” وتلاه دوره في «عرس أبو الدرداق» و«في انتظار البترول» (1986) التي تعد من العلامات الفارقة في تاريخ المسرح السوداني، إلى جانب «بوابة حمد النيل» التي كانت اعطته دفعاً لافتاً في بدايته المسرحية. كما امتدت مساهماته إلى الدراما التلفزيونية من خلال مسلسلات مثل «شبابيك» و«بيوت» و«البيت المسكون» و«بيت العزابة»، حيث حول الفن إلى منبر يناقش قضايا الهوية والمواطنة والفساد، ساعيًا إلى تثقيف الجمهور وزرع الوعي بين صفوفه بأسلوب فني راقٍ يجمع بين المتعة والرسالة.
قرني وجمال — وليسا وحدهما — فنانان لو نشآ في بيئة الدراما المصرية لكان لاسميهما سطوة أكبر في ذهن المتلقي. حسبهما أنهما عاشا في زمن سياسي كئيب لم يتح لهما كامل الفرصة للانطلاق بمشاريعهما المسرحية والدرامية كتابةً وتمثيلاً وإخراجاً، بشكل يُطور أعمالنا الفنية التي لا تحاكي الواقع بقدر ما تعالج فسيفساء الإخفاقات المرة التي أفرزتها تجاربنا مع الحكومات منذ الاستقلال.
ولأنهما مثقفان ملتزمان بتحقيق حلم الوجود السوداني بكل أفكارهما التي سبق لها التنفيذ فنيًا، يملكان من عمق الوعي ما يؤهلهما لتثقيف الجمهور بحقيقة واقعه الذي تنكده مشاريع سياسية أيديولوجية ومذهبية، سعت إلى نشر الفوضى السياسية كسبيل لوأد دولة المواطنة الديمقراطية.
كان – ولا يزال – حلم جمال حسن سعيد ومحمد عبد الرحيم قرني يتجاوز مجرد تقديم أعمال فنية ناجحة. إذ كانا يحلمان بوجود بيئة فنية حرة وداعمة تسمح بتطوير فن المسرح والدراما السودانية على أسس مهنية وإبداعية متينة. أرادا أن يصبح المسرح منبرًا حقيقياً للوعي والتغيير، لا مجرد وسيلة ترفيه عابرة، وأن تكون الدراما مرآة صادقة تعكس واقع المجتمع بكل تناقضاته وآماله. لقد عاشا هذا الحلم في ظروف صعبة، فكانا يؤمنان بأن الفن الحقيقي لا يزدهر إلا في بيئة تحترم الإبداع وتوفر له الحرية والإمكانيات.
إن هذا الحلم اليوم أمانة ثقيلة في عنق الأجيال القادمة. فالتراث الفني الذي خلفه جمال وقرني — بجديته وكوميديته الهادفة وعمق رسالته — ينتظر من يبني عليه ويطوره، لا من يحفظه في أرشيف الذكريات فقط. على الأجيال الجديدة أن تستلهم تجربتهما وتستثمر في إنشاء مؤسسات فنية، وتدريب كوادر شابة، وخلق فضاءات إبداعية تتيح للمسرح والدراما أن يواكبا العصر دون أن يفقدا جوهرهما التنويري.
إن بناءً على تراثهما بما يضاعف نجاعته ويضمن استمرارية رسالته هو التحدي الحقيقي. فالكوميديا الهادفة التي مارساها، والنقد الاجتماعي الذي شكّلا به أعمالهما، يجب أن يتجددا بأساليب معاصرة تلامس أوجاع الجيل الجديد وآماله. بهذا فقط يبقى حلمهما حيًا، وتتحول أمانتهما إلى مشروع وطني ثقافي مستمر، يساهم في بناء وعي جمعي أكثر نضجًا وقدرة على مواجهة تحديات الواقع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.