مدن على ضفاف النيل بلا ماء

سيف الدولة كمال

من أكثر المفارقات إيلاماً في السودان اليوم أن تعاني مدن وقرى تقع على ضفاف نهر النيل من العطش وانعدام مياه الشرب. ففي بلد يمتد فيه النيل مئات الكيلومترات، وتحيط مياهه بالعديد من التجمعات السكانية، أصبح الحصول على الماء النظيف تحدياً يومياً يواجه آلاف المواطنين، في مشهد يلخص حجم الأزمة التي تعيشها الدولة ومؤسساتها.
إن أزمة المياه التي تضرب عدداً من المدن السودانية لم تعد مجرد مشكلة فنية مرتبطة بأعطال المحطات أو انقطاع الكهرباء، بل أصبحت دليلاً واضحاً على فشل الإدارة العامة في توفير أبسط الخدمات الأساسية للمواطنين. فالدولة التي تعجز عن إيصال المياه إلى سكان يعيشون على مرمى البصر من النيل، تواجه بلا شك أزمة أعمق تتعلق بالكفاءة والتخطيط وأولويات الحكم.
في كثير من الأحياء، بات المواطنون يستيقظون قبل ساعات الفجر بحثاً عن جركانات الماء، بينما تقف النساء والأطفال في صفوف طويلة أمام مصادر محدودة للمياه. وأصبحت عربات نقل المياه التجارية جزءاً من المشهد اليومي، تبيع ما يفترض أن يكون خدمة عامة بأسعار تفوق قدرة كثير من الأسر التي أنهكتها الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولعل ما يزيد من مرارة المشهد أن هذه الأزمة لا تحدث في مناطق نائية أو معزولة، بل في مدن كانت تُعرف تاريخياً بقربها من النيل واعتمادها عليه كمصدر للحياة والاستقرار. لكن سنوات طويلة من الإهمال وضعف الاستثمار في البنية التحتية وتراجع كفاءة مؤسسات الدولة أدت إلى هذا الواقع المؤلم.
ويرى كثير من السودانيين أن جذور الأزمة الحالية تعود إلى عقود من السياسات التي أضعفت مؤسسات الخدمة المدنية وحولت أجهزة الدولة من مؤسسات مهنية إلى هياكل تعاني من الترهل وضعف الكفاءة. ويحمّل منتقدون الحركة الإسلامية، التي لعبت دوراً محورياً في الحكم خلال العقود الماضية، مسؤولية جانب من هذا التدهور، معتبرين أن سياسات التمكين والصراعات السياسية أضعفت قدرة الدولة على التخطيط طويل المدى وإدارة الخدمات الأساسية بكفاءة.
ومهما اختلفت التقديرات السياسية، فإن النتيجة التي يراها المواطن أمامه واضحة؛ خدمات متدهورة، وبنية تحتية متهالكة، وأزمات تتكرر بصورة مستمرة دون حلول جذرية. فالمواطن البسيط لا تشغله السجالات السياسية بقدر ما يعنيه وصول المياه إلى منزله، وتوفير الكهرباء، وضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
إن أزمة المياه تكشف أيضاً حجم الخلل في ترتيب الأولويات. ففي الوقت الذي تُنفق فيه موارد ضخمة على الصراعات والحروب، تتراجع الاستثمارات المخصصة للخدمات الأساسية التي تمس حياة الناس بشكل مباشر. والنتيجة هي أن المواطن يجد نفسه محاصراً بين أزمات متلاحقة تبدأ بالمياه ولا تنتهي بالكهرباء والصحة والتعليم.
لقد أثبتت تجارب الدول أن شرعية أي سلطة تُقاس بقدرتها على خدمة المواطنين وتحسين حياتهم اليومية. أما عندما يصبح الحصول على الماء حلماً في مدن تجاور النيل، فإن ذلك يطرح أسئلة جوهرية حول أداء مؤسسات الدولة وقدرتها على القيام بواجباتها الأساسية.
وفي نهاية المطاف، فإن أزمة المياه ليست مجرد مشكلة خدمية، بل مرآة تعكس واقع الإدارة العامة في السودان. وستظل صور المواطنين وهم يبحثون عن الماء على ضفاف النيل شاهداً مؤلماً على حجم التحديات التي تواجه البلاد، وعلى الحاجة الملحة إلى بناء دولة تضع احتياجات الناس وخدماتهم الأساسية في مقدمة أولوياتها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.