لم تكن تلك الدموع التي انحدرت على وجنتي الطالبة في قاعة الامتحان مجرد انفعال عابر، ولم يكن جرس انطلاق امتحانات الشهادة السودانية حدثاً تعليمياً عادياً يمكن المرور عليه دون تأمل. ففي تلك اللحظة اختلطت مشاعر الفرح بالألم، وتقاطعت سنوات الحرب مع أحلام جيل كامل ظل ينتظر فرصة للعودة إلى مقاعد الدراسة.
الصورة التي التُقطت في إحدى قاعات الامتحانات لا توثق دموع طالبة فحسب، بل تختصر حكاية آلاف الطلاب والطالبات الذين وجدوا أنفسهم خلال السنوات الماضية في مواجهة ظروف لم يختاروها. أغلقت المدارس أبوابها، وتفرقت الأسر بين النزوح واللجوء، وتحول التعليم من حق طبيعي إلى حلم مؤجل تصارعه المخاوف وعدم اليقين.
في دارفور وكردفان ومناطق واسعة من السودان، لم تكن الحرب مجرد معارك تدور في الميدان، بل كانت معركة يومية ضد الجهل والتسرب الدراسي وانقطاع المستقبل. وبين أصوات الرصاص وأخبار النزوح، كبر أطفال وشباب وهم يخشون أن تضيع أعمارهم بعيداً عن الفصول الدراسية والكتب والسبورات.
لكن مشهد اليوم يقول شيئاً مختلفاً.
فعودة امتحانات الشهادة السودانية إلى مناطق طالها النزاع تحمل دلالة تتجاوز حدود العملية التعليمية. إنها إعلان صامت بأن الحياة قادرة على النهوض من تحت الركام، وأن إرادة التعلم أقوى من كل الظروف التي حاولت أن تنتزع من هذا الجيل حقه في المستقبل.
هذه الدموع ليست دموع ضعف، بل دموع انتصار. انتصار للطالب الذي تمسك بحلمه رغم النزوح، وللأسرة التي قاومت الظروف من أجل تعليم أبنائها، وللمعلم الذي واصل أداء رسالته رغم التحديات، وللمجتمع الذي ما زال يؤمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر نحو الاستقرار والسلام.
إن معركة السودان الحقيقية لا تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل تُحسم أيضاً داخل المدارس والجامعات وقاعات الامتحانات. فكل طالب يجلس اليوم على مقعد الامتحان بعد سنوات الحرب يبعث برسالة واضحة إلى الجميع: أن الأمل ما زال حياً، وأن المعرفة قادرة على هزيمة اليأس.
قد تدمر الحروب المباني، وقد تعطل المؤسسات، وقد تؤجل الأحلام لبعض الوقت، لكنها تعجز دائماً عن إطفاء الرغبة الإنسانية في التعلم. ولهذا ستبقى تلك الدموع شاهداً على قصة جيل قاوم الحرب بالعلم، وواجه الخوف بالأمل، وتمسك بالمستقبل حين بدا كل شيء من حوله مهدداً بالضياع.
«قد تكسر الحرب المدارس، لكنها لا تستطيع أن تكسر حلم التعلّم».
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.