حين ينهض المعلمون… ترتجف عروش المستهترين

حسن عبد الرضي الشيخ

ليس هناك مشهدٌ أكثر نبلاً من معلمٍ يدافع عن حقه، ولا موقفٌ أكثر شرفاً من معلماتٍ ومعلمين قرروا أن يقولوا: كفى.
لقد جاء إعلان الإضراب المتدرج لمعلمات ومعلمي ولاية الجزيرة بمثابة صفعةٍ مدوية في وجه كل من ظن أن المعلم السوداني قد استسلم للفقر والإهمال والتجاهل، أو أنه سيواصل حمل أعباء العملية التعليمية بينما تُنتهك حقوقه وتُهدر كرامته ويُترك لمواجهة ظروف الحياة القاسية وحيداً.
لقد طرق المعلمون كل الأبواب. خاطبوا المسؤولين، ورفعوا المذكرات، وانتظروا الوعود، وتحملوا ما لا يتحمله أصحاب المهن الأخرى، لكنهم لم يجدوا سوى التسويف والمماطلة والاستخفاف بقضيتهم العادلة.
وعندما تُغلق جميع الأبواب في وجه أصحاب الحقوق، يصبح الإضراب ليس خياراً فحسب، بل واجباً أخلاقياً وموقفاً مشروعاً للدفاع عن الكرامة.
إن الذين يحاولون تصوير الإضراب وكأنه اعتداء على العملية التعليمية يتجاهلون الحقيقة الأساسية: من الذي أوصل التعليم إلى هذه الحافة أصلاً؟
هل المعلم الذي يطالب بأجرٍ يكفيه وأسرته؟ أم المسؤولون الذين تركوا المعلمين فريسة للغلاء والانهيار الاقتصادي والتشريد الوظيفي والتهميش المستمر؟
الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها أن انهيار التعليم لا يبدأ بإضراب المعلمين، وإنما يبدأ يوم تُهمل الدولة المعلم وتتعامل معه باعتباره الحلقة الأضعف التي يمكن الضغط عليها بلا حدود.
لقد أثبت معلمو ومعلمات الجزيرة مرة أخرى أنهم أصحاب قضية، وأن وحدتهم أصبحت مصدر قوتهم الحقيقي.
وما يبعث على الفخر أن هذا الحراك لم يعد مجرد مطالب مالية، بل تحول إلى معركة من أجل إنقاذ التعليم نفسه من الانهيار الكامل.
إن الإضراب المتدرج وصولاً إلى الإضراب الشامل والمفتوح يمثل رسالة واضحة لكل الجهات الرسمية: زمن الاستهانة بالمعلم قد انتهى، وزمن إدارة الأزمات بالوعود الفارغة لم يعد مقبولاً.
وليعلم المسؤولون أن المعلمين الذين صبروا سنوات طويلة قادرون على الصبر أكثر، لكنهم هذه المرة صبرٌ مقرون بالإصرار والعزيمة والتنظيم.
فكل يوم يمر دون الاستجابة لمطالبهم يزيد من تماسك صفوفهم واتساع دائرة التضامن معهم.
التحية لمعلمات الجزيرة الصامدات، وهن يحملن أعباء المهنة والحياة في ظروف استثنائية.
والتحية للمعلمين الذين قرروا أن ينتزعوا حقوقهم بأدوات النضال السلمي المشروع.
والتحية لكل من أدرك أن الدفاع عن المعلم هو دفاع عن مستقبل الأجيال القادمة.
إن معركة المعلمين اليوم ليست معركة فئة مهنية فحسب، بل هي معركة المجتمع كله.
فالأمم التي تهين معلميها تحكم على مستقبلها بالضياع، والأمم التي تكرم معلميها تبني حضارتها على أسس راسخة.
فلتتوحد الصفوف، ولتتعاظم الإرادة، ولترتفع الأصوات عالياً: حقنا كامل ما بنجامل. وما ضاع حق وراءه مطالب. وقوتنا في وحدتنا.
أما الذين تجاهلوا مطالب المعلمين واستخفوا بمعاناتهم، فليدركوا أن صوت الحق قد ارتفع، وأن إرادة آلاف المعلمات والمعلمين لا يمكن كسرها أو الالتفاف عليها.
ولقد بدأ المشوار، ولن يتوقف حتى تتحقق المطالب كاملة غير منقوصة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.