الحرب بالوكالة وغياب الإرادة الوطنية في السودان

عبدالمجيد قرشي

يدخل السودان عاماً جديداً من الحرب، بينما تتضاءل آمال المواطنين في رؤية نهاية قريبة لهذا النزاع الذي دمّر البلاد وأرهق العباد.
ومع مرور الوقت، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين متنازعين، بل أصبحت أزمة وطنية شاملة كشفت حجم الانقسام السياسي والاجتماعي، وأظهرت مدى هشاشة الدولة السودانية أمام التدخلات الخارجية.
لقد فقد السودان خلال سنوات الحرب جزءاً كبيراً من قدرته على اتخاذ قراراته السيادية بصورة مستقلة.
فكلما طال أمد الصراع، ازدادت أدوار القوى الإقليمية والدولية تأثيراً في مجريات الأحداث، حتى أصبح كثير من المراقبين ينظرون إلى ما يجري باعتباره حرباً بالوكالة تتقاطع فيها مصالح أطراف خارجية مع حسابات القوى المحلية.
وفي مثل هذه الحروب، لا تكون الأولوية لمصالح الشعوب، بل لمصالح الدول والجماعات التي تسعى إلى توسيع نفوذها أو حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.
ومن المؤسف أن بعض القوى السياسية والعسكرية السودانية وجدت نفسها، طوعاً أو كرهاً، جزءاً من هذه المعادلة، فأصبح قرارها السياسي والعسكري مرتبطاً بمصادر الدعم الخارجي أكثر من ارتباطه بالمصلحة الوطنية.
لقد تحولت السلطة والثروة إلى محور الصراع الرئيسي.
فبدلاً من التنافس حول البرامج الوطنية ومشروعات بناء الدولة، أصبح الصراع يدور حول من يحكم ومن يسيطر على الموارد ومن يمتلك النفوذ.
وفي خضم هذه المعركة، تراجعت قضايا المواطن اليومية من أمن وتعليم وصحة وخدمات إلى آخر سلم الأولويات.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في حجم الدمار الذي أصاب المدن والبنية التحتية، بل في التآكل المستمر لفكرة الوطن نفسها.
فالحروب الطويلة لا تدمر المباني فحسب، وإنما تدمر الثقة بين المواطنين، وتضعف الانتماء الوطني، وتفتح المجال أمام خطاب الكراهية والانقسامات الجهوية والعرقية والسياسية.
وإذا نظرنا إلى تجارب أخرى في العالم، نجد أن كثيراً من الحروب المعقدة انتهت عندما توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المتحاربة.
فتعقيد الحرب لا يقاس بعدد البنادق أو حجم التدخلات الخارجية، بل بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات من أجل السلام.
ولهذا نرى أن بعض النزاعات التي تبدو أكثر تعقيداً من الحرب السودانية تقترب من التسوية عندما تقتنع الأطراف بأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من مكاسبها.
أما في السودان، فما زالت حالة الاستقطاب والانقسام تهيمن على المشهد.
فكل طرف يعتقد أنه قادر على تحقيق مكاسب إضافية إذا استمرت الحرب، بينما تشير الوقائع على الأرض إلى أن الجميع يخسرون، وأن الخاسر الأكبر هو الشعب السوداني.
لقد أصبح ملايين السودانيين بين نازح ولاجئ ومشرد، وتعرض الاقتصاد الوطني لانهيار غير مسبوق، وتراجعت مؤسسات الدولة، وفقدت أجيال كاملة فرص التعليم والاستقرار.
ومع ذلك، لا تزال لغة السلاح تتقدم على لغة الحوار، ولا تزال المصالح الضيقة تتغلب على المصلحة الوطنية العامة.
ومن أخطر ما أفرزته الحرب أنها كشفت أزمة عميقة في النخبة السودانية، بشقيها المدني والعسكري.
فبدلاً من أن تكون هذه النخب جسراً نحو السلام والاستقرار، تحولت في كثير من الأحيان إلى جزء من الأزمة نفسها.
وانشغلت بعض القوى بالصراع على المواقع والمكاسب السياسية أكثر من انشغالها بإيجاد مخرج حقيقي للبلاد.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة، وإلى الاعتراف بأن استمرار الحرب لن ينتج منتصراً حقيقياً.
فحتى الطرف الذي قد يحقق مكاسب عسكرية مؤقتة سيجد نفسه أمام دولة منهكة واقتصاد مدمر ومجتمع ممزق.
إن استعادة القرار الوطني المستقل هي الخطوة الأولى نحو الخروج من هذه الأزمة.
ويتطلب ذلك وقف الارتهان للخارج، وإعلاء مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية، وإطلاق عملية سياسية شاملة لا تستثني أحداً، وتقوم على مبادئ العدالة والمواطنة والسلام.
لقد أثبتت التجارب أن السلاح قد يحسم معركة، لكنه لا يبني وطناً.
أما السلام العادل فهو وحده القادر على إعادة بناء السودان واستعادة وحدته وسيادته ومكانته بين الأمم.
ويبقى الأمل قائماً في أن تدرك جميع الأطراف أن التاريخ لا يذكر من أشعلوا الحروب بقدر ما يذكر من امتلكوا الشجاعة لإيقافها.
فالسودان يستحق مستقبلاً أفضل، وشعبه يستحق أن يعيش في دولة يسودها الأمن والاستقرار والكرامة الإنسانية، بعيداً عن الحروب والصراعات التي استنزفت الوطن لعقود طويلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.